--------------------------------------------------------------------------------
حرمات الشهر الفضيل :
لهذا الشهر حرمة عظيمة عند البدو ، بل انه اعظم الاشهر عندهم لوجود فريضة الصوم فيه ، و ليلة القدر ، وليلة الخوارة ( وهي ليلة الخامس عشر من شهر رمضان ) . وفي نهايته مناسبة عزيزة ، هي عيد رمضان حيث يتزاور الناس ، ويتناسون الاحقاد والخصومات ، ومن يخترق حرمته يجد الاحتقار والازدراء الاجتماعي ، اما عند الاعراب كما سبق وقلنا فان بعضهم لا يراعون له حرمة ،ولا يقدرون له قدسيته وتعظيماً . ومن العيب المشين ان يتظاهر الواحد بالافطار ، حتى انه اذا كان كذلك يتوارى عن القوم ويفعل ما يريد بعيدا عن الانظار ، واذا جائهم ضيف ، وكان الوقت ظهراً الى ساعة العصر ، سألوه عن مشواره ، فأن كان على سفر ، سألوه المسافة والمشقة ، فأن قدروا انها تستحق الافطار سألوه حينها أصائم هو أم مفطر ؟ ( لأن الافطار مباح في السفر الطويل ) ، فان اجاب بالافطار قدموا له طعاماً من المتوفر ، وبشكل سري تقريباً ، ولايجوز ان يصنعوا له طعاماً ، يشم رائحته الجيران او يشعرون به ، لأن تقديم الطعام من حيث المبدأ في رمضان شئ معيب جداً ، ومن حيث العادة يقدم حسب الظروف ، والأمكانات وفي ضوء طلب الستر والاستتار ، وبالطبع فان هذا الضيف ينقطع بعدها عن الطعام ، والتدخين وشرب الماء حتى ساعة الافطار حيث يتناوله مع المعازيب ، وكأنه احد الصائمين ، وبذلك نجد انه في ممارسة الرخصة بافطار الصائم يكون ذلك عند البدو ، بكل ادب ، وتهذيب واستتار ، ... فالعيب ان يأكل المفطر ، امام الصائم ويرون في ذلك ذنباً عظيماً وحضاً على الفجور ، والعصيان ، والعيب ان يشرب اويدخن المفطر امام الصائم ، او يحضه على الأفطار لأنه حينها سيكون شريكه في الاثم ، لذا فان عدم الصيام يكون اشبه بالسر الذي لا يطلع عليه الا الشخص نفسه وربما زوجته ، ولكن لا يستطيع البدوي اظهار ذلك امام أبنائه ان كان أباً ،أو امام والده ان كان ابناً ، ففي الأولى عليه أن يكون قدوة حسنة لا سيئة وأما في الثانية ، فهو يحترم والده بطبيعة حاله ، فكيف في الامور ذات المساس بالعقيدة والاسلام ؟!
ومن جملة مراعاة حرمة هذا الشهر عدم الغزو ، والقتل والفسق ، والاقلاع عن ارتكاب أي فاحشة ما أمكن ، فالفافسق يقلع عن فسقه ، والغازي يتوقف عن غزوه ، والسارق يأخذ راحة ... الخ ، ذلك لأن للشهر حرمة ، ويرون ان اقتراف المعاصي فيه يوجب سخط الله سبحانه وتعالى . وهو شهر الغفران ، والحسنة فيها مضاعفة كثيراً ، والبدوي لا يحرم نفسه من هذه الفرصة النادرة في كل عام ، لذا تراه ينصرف الى الصيام والصلاة والتسبيح ، ويقلع عن الغيبة ، والسخرية ، واللعب ، انه شهر الجد والعبادة ، يكفرون فيه عن سيئات ما عملوا فيما مضى من الاشهر المنصرمة ... ولا يقتصر هذا التدين على الرجال بل يعتاده الى النساء ، واذكر انهم كانوا يجلسون الى بعضهم بعضاً ، او الى الشيخ الديني الذي يأتي الى فريق البيوت يتعلموا الادعية الخاصة برمضان وكيفية الوضوء والصلاة ، وما هي الاعمال التي ترضي الله سبحانه ؟ ليطبقوها وينفذونها ، ... ونستطيع القول ان شهر رمضان بالنسبة للبدو ، هو شهر السكينة والامن والطمأنينة ، والهدوء والسكينة ، شهر البركة ، وتبادل المحبة ، ويخجل البدوي من الله سبحانه ان يلتقي باخيه البدوي في رمضان وهو مخاصم له الا يلقي عليه التحية ،بل لابد ان يتناسى الخصومة او على الأقل الا يطالب بازدياد بعد الشق ، والخصومة ، أي انه شهر لتجميد جميع السلبيات ، وانماء لجميع الايجابيات ، وكل واحد يبحث عن النجاة لنفسه من الذنوب ،وسخط الله سبحانه ويحاول كل واحد منهم ما استطاع في الا يكون مصدر تشاؤم القوم في هذا الشهر بتحريك دوافع الشر والبدوي حذر ويخاف من الاقدام على ان يكون صاحب الأولى والبداية في أي عمل سيء ،فيقال عنه مستقبلاً : ان فلاناً كان السبب ، او البادئ ( فالبادئ هو الاظلم هو الاسواء ) ، بينما يحرص على ان يكون البادئ بالخير ، والطيب ، وكما يقولون : الشر وده مشاورة ، والطيب ما عليه مشاورة ’’، ذلك ان المبدأ في العمل هو الخير ، واما في العادة فهناك الخير ، ، وهناك الشر ،الذي لابد من ضبطه وكبح جماحه ، لذا احتاج الى مشاورة ، والتي عادة تنتهي بالاقلاع منه ،طالماً ان الحاجة ليست ملحة له ... ولاشك ان شهر رمضان هو بحد ذاته كابح لهذا الشهر ، وضابط لتصرفات الأنسان البدوي .
ولو نظرنا الى مجتمعنا المعاصر لوجدنا اختراق حرمات الشهر الفضيل امراً علينا دونما خجل او حياء اطلاقاً ، ذلك ان الضوابط الاجتماعية والاخلاقية والدينية الموجودة لدى البدوي قد لفظتها الحياة المدنية ، وألقت بها بعيداً عن نفسية وعقل الأنسان هناك ، ولو القينا نظرة بسيطة الى الفارق مابين نظرة المجتمعين البدوي والحضري نحو مفطر رمضان لفهمنا مدى اهميته الاخلاقية لدى كل من الطرفين ، فمفطر رمضان لا تقبل شهادته في القضايا عند البدو ، بينما وهي مقبولة في المجتمع الحضري .
ويرى البدو ان أي عمل في رمضان يساوي سبعين مثله فيما سواه من اشهر السنة ، لذا فهم لا يتوانون عن عمل الخير ، واداء العبادات ، والاقلاع عن كل سوء ، ولهذا اصل في الاسلام : حيث يقول الزهري : تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيرها ، وفي حديث سلمان الفارسي : ’’ من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن ادى فريضة فيما سواه ومن ادى فريضة فيه كان كمن ادى سبعين فريضة سواه ’’ .
وأما زيادة الجود في رمضان على غيره من الأشهر ، فان لذلك اصلاً في الاسلام أيضاً : وذلك ما روي عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) ، قال : ’’ كان النبي صلى الله عليه وسلم ، اجود الناس بالخير ، وكان اجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل ( عليه السلام ) يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فاذا لقيه جبريل – عليه السلام – كان اجود بالخير من الريح المرسلة ، وفي رواية اخرى للبخاري : عن ابن عباس قال : كان رسول الله ( عليه السلام ) اجود الناس وكان اجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ... الخ الحديث ’’ ، وانني اتساءل : هل هناك من هو أعظم ( في بني البشر ) من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون قدوة للناس اجمعين بالجود والخير والكرم والشهامة .. كما ان الله سبحانه عندما خصص ليلة القدر التي هي خير من الف شهر هو جود وكرم من الله في هذا الشهر الفضيل . واما اعراض البدو عن قول الزور ، والبهتان ، وعن كل عمل سيء ، فذلك مستمد من الاصول الاسلامية الحنيفة ، كيف لا والبدو العرب وفي العالم الأسلامي كلهم مسلمون وعاداتهم في الجود والسماحة ، والمثل العليا مأخوذة من الاسلام الحنيف ، سواء من القرأن او السنة ، او اقوال الصحابة ، وافعال هؤلاء جميعاً .. ويقول الرسول ( عليه السلام ) .. ’’ من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في ان يدع طعامه وشرابه ’’ . وقوله صلى الله عليه وسلم : ’’ اذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك ’’ .
ويرى البدوي ان شهر رمضان لله سبحانه ، وان بقية الاشهر له ( للبدوي ) له ان فعل فيها ما يروق له ، اما رمضان فهو يفعل ما يريده الله وما يأمر به سبحانه ، وفي ذلك أصل في الأسلام ايضاً حيث يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : ’’ اتقوا شهر رمضان ، فانه شهر الله ، ان تفرطوا فيه ، فقد جعل الله لكم احد عشر شهر تنعمون فيها ، وجعل لنفسه شهر رمضان . ’’
ويفرح البدوي اذا جاءه ضيف في رمضان اكثر من أي وقت في سائر انحاء السنة ، وذلك لأنه هنا يبحث عن الأجر بالأضافة الى طبيعة كرم الضيافة ، ويعتقد ان افطار الصائم عنده يعني ان له اجراً كأجر الصائم ، وبذلك نجد الجود والكرم يزدادان عن طيبة خاطر ، وطعماً بالأجر ، وفي ذلك اصل في الأسلام .
ومن البر في رمضان بل اصل البر تقديم طعام الأفطار للصائمين وخاصة الفقراء منهم ، وقد جاء الحديث الشريف : ــــ
’’ ان الصائم ، اذا اكل عنده ، حلت عليه الملائكة ’’ ، وعن زيد بن خالد الجهني ، عن النبي ( صل الله عليه وسلم ) وقال : من فطر صائماً كان له مثل أجره ، غير انه لا ينقص من اجر الصائم شيئاً ، رواه الترمذي وقال ( حديث حسن صحيح ) ، قالوا : والتفطير يتحقق بتمرة او شربة ماء ، او مذقة لبن " أي جرعة لبن مخلوطة بالماء" وخطب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، في اخر شعبان فقال : ايها الناس ، لقد اظلكم شهر عظيم مبارك ، شهر فيه ليلة خير من الف شهر ، شهر جعل الله صيام نهاره فريضة ، وقيام ليلة تطوعاً ، ومن تقرب فيه بنافلة كان كمن ادى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، شهر المواساة ، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار ، وكان له مثل اجره ، من غير ان ينقص من اجر الصائم شيء"
ومن المبادئ الاساسية في الصوم عند البدو ، وهي النية : اذ عندما يثبت هلال رمضان المبارك ، يقولون ، نويت صيام شهر رمضان المبارك أيماناً وأحتساباً اللهم تقبله منا ، وأتنا أجره ’’ ، كما يدعون بادعية كل واحد بما يخصه من التوفيق والنجاح ، او تحقيق هدف ما ، لأن الدعوة في رمضان لها وقع خاص ، وتلبية الهية خاصة حسبما يرون ، ونستطيع ان نقول ان هذه هي النية العامة ، للشهر كاملاً ،أما النية الخاصة فتكون بعد افطار كل ليلة ، وقبيل النوم ، او عند السحور حيث يقول البدوي ’’ نويت صيام غد ان شاء الله يارب تقدرني عليه وتعطيني اجره والبدو لا يرون في التلفظ العلني انه الاساس بالنية لأيمانهم ان الله يعلم السر واخفى ، لذا فان مجرد النية سراً او جهراً تكفي لقضاء المهمة ، ولهذا اصل في الاسلام حيث يقول الرسول ( ص ) : انما الاعمال بالنيات ، وانما لكل امرئ ما نوى" وفي حديث لحفصة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يجمع ( بضم الياء ) الصيام قبل الفجر ، فلا صيام له " , رواه احمد واصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حيان " ، ... واذا لم يعرف البدوي ان الصوم قد بدأ الا اثناء النهار كأن يتأخر وصول خبر ثبوت الهلال ، فهو ينوي من لحظته الصيام ، وان كان في فمه طعام ، او ماء لفظه ، ويعتبر نفسه انه صام ذلك اليوم ولو كان لهذا لبضع دقائق قبيل غياب الشمس . وذلك ما هو موجود في الشريعة الأسلامية أيضاً .
ومن المبادئ الأساسية الأمساك عن المفطرات المادية والمعنوية ، اما الاولى فهي الطعام والشراب ، والتدخين ، وما هو على شاكلة هذه الأشياء ، وهذا مستمد من الأية القرآنية الكريمة حيث يقول تعالى : وكلوا واشربوا حتى تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، ثم أتموا الصيام آلى الليل " والمراد بالخيط الأبيض ، والخيط الأسود : النهار ، وسواد الليل ، ... واما الامساك عن القول الفاحش وما فيه ضرر للأخرين ، ويخالف الاعراف العامة ، والاذواق ، والدين والاخلاق ، فالبدوي يبتعد عنه اصلاً اكثر من اقلاعه عن الطعام فكيف به في رمضان ؟ وقد بينا كيف استمد البدو هذه العادة اللطيفة من الأسلام .
منقول
المصدر: المناسابات عند العشائر الاردنية / للدكتور احمد عويدي العبادي