--------------------------------------------------------------------------------
لم أولد بعد... ولم أر النور... بل قل أي نور... لم أر الظلام... أي ظلام... لا أعرف أنورٌ ينتظرني أم ظلام... لأنني لم أولد بعد... لكن الخطط ضد ولادتي وضد كياني قد ولدت... أين ولدت؟ في الظلام... ثم لَمعتْ واُختير لها الأسماء البراقة... وقالوا من أجل "حقوق الإنسان" ومن أجل السلام ...
كانوا يحيكون لي مستقبلي... سقفاً قصيراً دون جدران... لكي لا أنمو ولا يزداد طول قامتي إلا بميزان "حقوق الإنسان"... وإن حدثت المعجزة ونما عقلي وفكري واكتشفت آية النور وسرّ الظلام... حاصروا جسدي وقطعوا رزقي... لأنني طفل عربي... هذا قدري...
كنت إنساناً حرَّاً هناك في رحم أمي... كنت إنسانا حراً هناك في زمن عُمَر... فصرت الآن مجرد رقم مغضوب عليه... أنا الطفل العربي... أنا المقصود في حسابات الحكومة ومنظار الجنود...
أنا الطفل العربي المذكور في عُهود الوزير المقطوعة قبل الانتخابات... وبعد تشكيل الحكومة وعند تمرير الميزانية السنوية أنا المقصود... عندما يحسب الوزير النقود... كم يعطي لتهويد الجليل وكيف يتم تقليص المثلث في هندسة العالم الجديد... أنا الطفل العربي الذي يُقلق علماء الإحصاء في الجنوب... أنا الرقم المطلق... أنا النسبة المئوية, أنا الخطر... أنا القنبلة الزمنية.
عندما ولدتُ صرخت صرخة عادية... لأنني طفل لا أعرف فنون المسرحية... فسرعان ما وجدت نفسي في معركة يومية... وقالوا لي هذه هي الحياة... في صراع البقاء... آكل من حليب أمي وأشرب مع أبي ثم اجلس مع أخوتي نقتسم الهواء...
فمشيت حتى أوقفوني في وسط الطريق وسلموني شهادةً صفراء... مكتوب فيها... أنت طفل عربي... ممنوع أن تولد... ممنوع أن تعيش... ممنوع أن تكون لك قسيمة أرض ولا حتى سماء... ممنوع أن تشبع خبزاً ولا تكثر من الماء ولا حتى من الهواء... لأنني أنا طفل عربي صاحب انتماء...
قالوا إذا شئت أن تعيش فلا تحمل هوية... يجب أن تذوب في عالم الأمم المتحدة والقوانين الدولية ... لا تلبس ثيابك الرسمية ولا تُغضب إله العلمانية والديموقراطية والتقدمية ... هذا المنهج وعليك الالتزام بالخطة العلمية ... في هذا القفص اِلعَبْ واتعب ، والأفضل أن تنام نومة هنية ... ثم قصقصوا لي ريش أجنحتي الزائد عن بُعد القضية ... ثم أحضروا لي معلماً يعلمني فن اقتحام السماء ... فسرعان ما فهمت النظرية ... أنا الطفل العربي المعجزة صاحب الهوية ...
فجأة أصبح للخبز منطق وللماء لغة حتى الهواء صار يحمل هوية ... فصرت أعرف حدودي ولا أمشي إلا تحت خط الفقر ... ودون نسبة النجاح المطلوبة مع أب عاطل عن العمل وأمّ مغلوبة ... تحمل في بطنها تهمة جديدة ... أنا الطفل العربي ... أنا المقصود إذا هُدم بيت أو دُمِّر مسجد أو شُكِّلت حكومة ... أنا مدار حديثهم في الغسق ... أنا القلق ، أنا الأرق ... أنا الصغير الذي يخيف كبارهم ... أنا الضعيف الذي يغيظ أقوياءهم ... بمجرد وجودي ... أنا الطفل العربي الذي كشف سرّ آية الوجود .
نقلاً عن :صوت المنتدى ، عدد 5 ، أيار 2005