تأخذ هذه القصيدة - في التاريخ الأدبي أسماء ثلاثة: عينية ابن زريق, وفراقية ابن زريق - ويتيمة ابن زريق. ولكل تسمية سبب:
- فهي العينية لأن قافيتها هي العين المضمومة, وإن انتهت بهاء مضمومة. وكان من عادة العرب إطلاق اسم القافية علي القصيدة: فيقولون «لامية العرب» للشَّنْفَرَي, و«سينية البحتري», و«بائية أبي تمام», و«ميمية» البوصيري.
- وهي القصيدة الفراقية: لأن موضوعها «الفراق», كما سنعرف.
- وهي القصيدة اليتيمة : لأن ناظمها لم ينظم في حياته غيرها (كما يقولون).
لا تعذليه فإن العذْلَ يُولعُهُ=قد قلتِ حقًا, ولكن ليس يسمعُهُ
جاوزتِ في نصحه حدًا أضرّ به=من حيث قدرتِ أن النصحَ ينفعُهُ
فاستعملي الرفقَ في تأنيبه بدلاً=من عُنفه, فهو مُضْنَى القلبِ موجَعُهُ
تأبي المطالب إلا أن تكلفه=للرزق سعيًا, ولكن ليس يجمعه
كأنما هو في حل ومرتحل=موكل بقضاء الله يذرعه..
إذا الزمان أراه في الرحيل غني=ولو إلي السند - أضحي وهو يقطعه
ودَّعتُه, وبودًّي لو يودعني=صفوُ الحياةِ وأني لا أودّعُهُ
وكم تشفع بي أن لا أفارقَهُ=وللضروراتً حال لا تشفًّعهُ
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحي=وأدمعي مستهلات وأدمعُهُ
اعتضٍتُ من وجه خِلًّي بعد فُرقتِهِ=كأسًا يُجرَّع منها ما أُجُرَّعُهُ
كم قائلٍ ليَ «ذقتَ البينَ» قلتُ له=الذنبُ والله ذنبي لستُ أدفعه
هلاّ أقمتُ فكان الرشدُ أجمعُه=لو أنني حين بان الرشد أتبعه
ما كنتُ أحسب أن الدهر يفجعني=به, ولا أن بي الأيامَ تفجعُه
حتي جري الدهر فيما بيننا بيد=عرّاءَ تمنعني حقي.. وتمنعه
وكنت من ريبِ دهري جازعًا فَرِقًا=فلم أوَقَّ الذي قد كنتُ أجزعُه
علمًا بأن اصطباري مُعْقب فرجًا=فأضيقُ الأمرِ - إن فكرتُ - أوسعُهُ
علّ الليالي التي أضنَت بفرقتنا=جسمي ستجمعني يومًا.. وتجمعه
وإن تَغُلْ أحدًا منا منيَّـتُـهُ=لابد في غده - الثاني سيتبَعُـهُ
وإن يدمْ أبدًا هذا الفراقُ لنا=فما الذي بقضاء الله نصنَعُهُ?
الشاعر العباسي أبو الحسن علي بن زريق البغدادي