آخر المواضيع

عـودة للخلف   منتديات البدو > المنتديات الشعرية والأدبية > منتدى القصص والروايات

قصص الأنبياء

إضافة موضوع جديد  موضوع مغلق
 
LinkBack خيارات الموضوع
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي قصص الأنبياء

 
 

قديم 09-19-2003, 06:53 مساءً

 




آدم عليه السلام‎


‏أبو البشر، خلقه الله بيده‎ ‎وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما ‏الجنة وأنذرهما أن لا‎ ‎يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله ‏إلى الأرض ومكن‎ ‎لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، ‏وجعله خليفته في‎ ‎الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء‎.‎


انصرفت مشيئة الله تعالى إلى خلق آدم.. قال الله تعالى وتبارك‎ ‎للملائكة‎:

إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً‎

اختلف الناس في‎ ‎معنى خلافة آدم.. فمن قائل إنه خليفة لجنس سبق على الأرض، وكان ‏هذا الجنس يفسد فيها‎ ‎ويسفك الدماء.. ومن قائل إنه كان خليفة لله تعالى، بمعنى أنه ‏خليفة في إمضاء أحكامه‎ ‎وأوامره، لأنه أول رسول إلى الأرض.. وهذا ما نعتقده.. سأل أبو ذر ‏رسول الله -صلى‎ ‎الله عليه وسلم-، عن آدم: أنبيا كان مرسلا؟ قال: نعم.. قيل: لمن كان ‏رسولا ولم يكن‎ ‎في الأرض أحد؟ قال: كان رسولا إلى أبنائ‎.‎

‎ يبين لنا الله تعالى بداية الأمر بقوله جل من قائل‎:

وَإِذْ قَالَ‎ ‎رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ‎ ‎أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ‏الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ‎ ‎بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ‎ ‎تَعْلَمُونَ‎

وهذه آراء بعد المفسرين في هذه الآية‎.

قال تفسير المنار‎: ‎إن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها، لأنها ‏بحسب قانون‎ ‎التخاطب إما استشارة من الله تعالى، وذلك محال عليه تعالى. وإما إخبار منه ‏سبحانه‎ ‎للملائكة واعتراض منهم وجدال، وذلك لا يليق بالله تعالى ولا بملائكته، واقترح صرف‎ ‎معنى القصة لشيء آخر‎.‎


وقال تفسير الجامع لأحكام القرآن: إن الله تعالى كان قد أخبر ملائكته أنه إذا‎ ‎جعل في ‏الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء، وحين قال تعالى‎:

إِنِّي جَاعِلٌ‎ ‎فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً‎

قالوا أهذا هو الخليفة الذي حدثتنا عن إفساده في‎ ‎الأرض وسفكه للدماء، أم خليفة غيره؟ ‏وقال تفسير "في ظلال القرآن": إن الملائكة‎ ‎بفطرتهم البريئة التي لا تتصور إلا الخير والنقاء ‏قد حسبوا أن التسبيح بحمد الله‎ ‎وتقديسه هو الغاية المطلقة للوجود، وهذه الغاية متحققة ‏بوجودهم هم، وسؤالهم يصور‎ ‎دهشتهم ولا يعبر عن اعتراض من أي نوع‎.

رأينا كيف اجتهد كل واحد من المفسرين‎ ‎لكشف الحقيقة. فكشف الله لكل واحد فيهم عمقا ‏منها.. وإنما أوقع في الحيرة عمق‎ ‎القرآن.. وتقديم القصة بأسلوب الحوار، وهو أسلوب بالغ ‏التأثير والنفاذ. إن الله‎ ‎تعالى يحكي لنا القصة بأسلوب الحوار، وليس من الضروري أن تكون ‏قد وقعت بنفس هذا‎ ‎الأسلوب.. ألا ترى أن الله تعالى يقول في سورة (فصلت‎):

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى‎ ‎السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ‎ ‎كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ‎

هل يتصور أحد من الناس أن الله عز‎ ‎وجل قد خاطب السماء والأرض، وردت عليه السماء ‏والأرض ووقع بينهما هذا الحوار..؟‎ ‎إنما يأمر الله تعالى السماء والأرض فتطيع السماء ‏والأرض. وإنما صور الله ما حدث‎ ‎بأسلوب الحوار لتثبيته في الذهن، وتأكيد معناه وإيضاحه‎.

لذلك نرى أن الله‎ ‎تعالى حين قرر خلق آدم، حدث ملائكته من باب إعلامهم كي يسجدوا له، ‏لا من باب أخذ‎ ‎رأيهم أو استشارتهم.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. حدثهم الله تعالى أنه ‏سيجعل في‎ ‎الأرض خليفة، وأن هذا الخليفة ستكون له ذرية وأحفاد، وأن أحفاده وذريته ‏سيفسدون في‎ ‎الأرض، ويسفكون فيها الدماء. وقامت الحيرة في نفوس الملائكة الأطهار. ‏إنهم يسبحون‎ ‎بحمد الله، ويقدسون له.. والخليفة المختار لن يكون منهم، فما هو السر في ‏ذلك؟ ما هي‎ ‎حكمة الله تبارك وتعالى في الأمر؟ لم تستمر حيرة الملائكة وتشوقهم إلى ‏شرف الخلافة‎ ‎في الأرض ودهشتهم من تشريف آدم بها، لم يستمر هذا الحوار الداخلي ‏طويلا.. ثم ردهم‎ ‎إلى اليقين والتسليم قوله تعالى‎:

إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ‎ ‎تَعْلَمُونَ‎

وبهذه الإشارة إلى علمه المحيط وعلمهم القاصر عاد التسليم‎ ‎واليقين‎.‎

نستبعد وقوع الحوار بين الله تعالى وملائكته تنزيها لله، وإكبارا لملائكته‎.. ‎ونعتقد أن الحوار ‏قام في نفوس الملائكة لحمل شرف الخلافة في الأرض.. ثم أعلمهم الله‎ ‎تعالى أن طبيعتهم ‏ليست مهيأة لذلك ولا ميسرة له. إن التسبيح بحمد الله وتقديسه هو‎ ‎أشرف شيء في ‏الوجود ولكن الخلافة في الأرض لا تقوم بذلك وحده، إنما هي تحتاج إلى‎ ‎طبيعة أخرى. ‏طبيعة تبحث عن المعرفة وتجوز عليها الأخطاء‎.

هذه الحيرة أو هذه‎ ‎الدهشة أو هذا الاستشراف.. هذا الحوار الداخلي الذي ثار في نفوس ‏الملائكة بعد معرفة‎ ‎خبر خلق آدم.. هذا كله يجوز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم ‏شيئا، لأنهم، رغم‎ ‎قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، ‏لا‎ ‎يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، وغيبه المستور، وتدبيره في الخفاء،‎ ‎ولا يعرفون حكمته العليا وأسباب تحقيقها في الأشياء‎.

ولسوف تفهم الملائكة‎ ‎فيما بعد أن آدم نوع جديد من المخلوقات، فهو يختلف عنهم في أن ‏عمله لن يكون تسبيح‎ ‎الله وتقديسه، ولن يكون مثل حيوانات الأرض وكائناتها، يقتصر وجوده ‏على سفك الدماء‎ ‎والإفساد فيها.. إنما سيكون آدم نوعا جديدا من المخلوقات. وستتحقق ‏بوجوده حكمة عليا‎ ‎لا يدريها أحد غير الله. وتلك حكمة المعرفة.. قال الله تعالى‎:

وَمَا‎ ‎خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‎

قرأها ابن عباس "إلا‎ ‎ليعرفون".. فكأن المعرفة هدف النوع الإنساني وغاية وجوده. وسوف ‏يبين لنا الله‎ ‎بأسلوب الحوار كيف كان ذلك‎.

ولعل اجمل اقتراب من تفسير هذه الآيات كلمة‎ ‎الشيخ محمد عبده.. "إن الحوار في الآيات ‏شأن من شئون الله تعالى مع ملائكته.. صوره‎ ‎لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة ‏والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول،‎ ‎ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا نحن ‏البشر‎.."

أدركت الملائكة أن الله‎ ‎سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم ‏تفصيلا، فقال إنه‎ ‎سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على ‏الملائكة أن تسجد له،‎ ‎والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا ‏يكون إلا لله‎ ‎وحده.. قال تعالى في سورة (ص‎):

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي‎ ‎خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي‎ ‎فَقَعُوا ‏لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73‏‎) ‎إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ‎

جمع الله سبحانه‎ ‎وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر، ‏ولهذا يجيء الناس‎ ‎ألوانا مختلفة.. ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ ‏مسنون. تعفن‎ ‎الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا ‏الطين؟ من هذا‎ ‎الصلصال خلق الله تعالى آدم.. سواه بيديه سبحانه، ونفخ فيه من روحه ‏سبحانه.. فتحرك‎ ‎جسد آدم ودبت فيه الحياة.. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين ‏له.. ما عدا‎ ‎واحدا يقف هناك.. لم يكن آدم قد عرف أي نوع من المخلوقات هذا الذي لم يسجد ‏له.. لم‎ ‎يكن يعرف اسمه.. كان إبليس يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم.. كان من الجن‎.. ‎والمفروض، بوصفه أقل من الملائكة، أن تنطبق عليه الأوامر التي تصدر لهم‎.‎


‎ حكى الله تعالى قصة رفض إبليس السجود لآدم في أكثر من سورة.. قال تعالى في‎ ‎سورة ‏‏(ص‎):

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ‎ ‎بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا ‏خَيْرٌ‎ ‎مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ‎ ‎مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ ‏لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ‎ (78)‎قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ‎ ‎الْمُنظَرِينَ ‏‏(80)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ‎ ‎لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ‎ ‎الْمُخْلَصِينَ‎

إن حجة إبليس التي أوردها الله في آيته هذه تثير العجب‏‎ ‎فعلا.. إنه يتصور أن النار أفضل من ‏الطين.. فمن أين جاءه هذا العلم، والمفروض أن‎ ‎يكون هذا العلم عند الله، فهو الذي خلق ‏النار والطين ويعرف أيهما‎ ‎أفضل..؟‎

أدرك آدم من الحوار أن إبليس مخلوق يتصف باللؤم كما يتصف بالجحود‎. ‎إنه يسأل الله تعالى ‏أن يبقيه إلى يوم البعث، لا يريد إبليس أن يموت، غير أن الله‎ ‎تعالى يفهمه أنه سيبقى إلى ‏يوم الوقت المعلوم.. سيبقى إلى أن يحين أجله فيموت‎.. ‎أدرك آدم أن الله قد لعن إبليس ، ‏وطرده من رحمته بسببه، أدرك أن إبليس لن ينسى له‎ ‎هذا الصنيع.. انتهى الأمر وعرف آدم ‏عدوه الأبدي.. وأدهشت آدم بعض الدهشة جرأة عدوه‎ ‎وحلم الله عز وجل؟؟‎

ربما قال لي قائل: لماذا استبعدت أن يكون قد جرى حوار‎ ‎بين الله عز وجل وملائكته.. ولجأت ‏إلى تأويل الآيات، ولم تستبعد وقوع حوار بين الله‎ ‎تعالى وإبليس؟ وأقول ردا على ذلك: إن ‏العقل يهدي لهذه النتيجة.. إن إمكان قيام حوار‎ ‎بين الله وتعالى وملائكته أمر مستبعد، لأن ‏الملائكة منزهون عن الخطأ والقصور‎ ‎والرغبات البشرية التي تبحث عن المعرفة. انهم بحكم ‏خلقهم، جند طائعون مكرمون.. أما‎ ‎إبليس فهو خاضع للتكليف، وطبيعته، بوصفه من الجن، ‏قريبة من طبيعة جنس آدم.. بمعنى‎ ‎أن الجن يمكن أن يؤمنوا، ويمكن أن يكفروا.. إن وجدانهم ‏الديني يمكن أن يسوقهم إلى‎ ‎تصور خاطئ يسند كبرياء كاذبة.. ومن هذا الموقع وبحكم هذا ‏التكوين، يمكن أن ينشأ‎ ‎حوار.. والحوار يعني الحرية، ويعني الصراع. ولقد كانت طبيعة البشر ‏والجان مركبة‎ ‎بشكل يسمح لهم بالحرية، ويسمح لهم بالصراع. أما طبيعة الملائكة فمن لون ‏آخر لا تدخل‎ ‎الحرية في نسيجه‎.

إن إبليس رفض أن يسجد لآدم.. كان الله تعالى يعلم أنه‎ ‎سيرفض السجود لآدم.. سوف ‏يعصاه.. وكان الله يستطيع أن ينسفه نسفا، أو يحيله إلى‎ ‎حفنة من التراب، أو يخنق بعزته ‏وجلاله كلمة الرفض في فم إبليس.. غير أن الله تعالى‎ ‎يعطي مخلوقاته المكلفة قدرا من ‏الحرية لا يعطيه غيره أحدا.. إنه يعطيهم حرية مطلقة‎ ‎تصل إلى حق رفض أوامره سبحانه.. ‏إنه يمنحهم حرية الإنكار وحرية العصيان، وحرية‎ ‎الاعتراض عليه.. سبحانه وتعالى. لا ينقص ‏من ملكه أن يكفر به الكافرون، ولا يزيد من‏‎ ‎ملكه أن يؤمن به المؤمنون، إنما ينقص ذلك من ‏ملك الكافرين، أو يزيد في ملك‎ ‎المؤمنين.. أما هو.. فتعالى عن ذلك.. فهم آدم أن الحرية ‏نسيج أصيل في الوجود الذي‎ ‎خلقه الله.. وأن الله يمنح الحرية لعباده المكلفين.. ويرتب على ‏ذلك جزاءه‎ ‎العادل‎.

بعد درس الحرية.. تعلم آدم من الله تعالى الدرس الثاني.. وهو‎ ‎العلم.. كان آدم قد أدرك أن ‏إبليس هو رمز الشر في الوجود، كما أدرك أن الملائكة هم‎ ‎رمز الخير، أما هو نفسه فلم يكن ‏يعرف نفسه حتى هذه اللحظة.. ثم أطلعه الله سبحانه‎ ‎وتعالى على حقيقته، وحكمة خلقه، ‏وسر تكريمه.. قال تعالى‎:

وَعَلَّمَ آدَمَ‎ ‎الأَسْمَاء كُلَّهَا‎

أعطاه الله تعالى سر القدرة على اختصار الأشياء في‎ ‎رموز ومسميات. علمه أن يسمي ‏الأشياء: هذا عصفور، وهذا نجم، وهذه شجرة، وهذه سحابة،‎ ‎وهذا هدهد، وهذه …، إلى آخر ‏الأسماء. تعلم آدم الأسماء كلها. الأسماء هنا هي‎ ‎العلم.. هي المعرفة.. هي القدرة على ‏الرمز للأشياء بأسماء.. غرس الله في نفس آدم‎ ‎معرفة لا نهاية لها، وحبا للمعرفة لا نهاية له، ‏ورغبة يورثها أبناءه في التعلم‎.. ‎وهذه هي الغاية من خلق آدم، وهذا هو السر في تكريمه‎.

بعد أن تعلم آدم أسماء‎ ‎الأشياء وخواصها ومنافعها، بعد أن عرف علمها، عرض الله هذه ‏الأشياء على الملائكة‎ ‎فقال‎:

أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‎

‎(‎يقصد‎ ‎صادقين في رغبتكم في الخلافة).. ونظر الملائكة فيما عرض الله عليهم، فلم يعرفوا‎ ‎أسماءه.. واعترفوا لله بعجزهم عن تسمية الأشياء أو استخدام الرمز في التعبير عنها‎.. ‎قال ‏الملائكة اعترافا بعجزهم: سُبْحَانَكَ (أي ننزهك ونقدسك)، لاَ عِلْمَ لَنَا‎ ‎إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ ‏الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (ردوا العلم كله إلى‎ ‎الله‎).

قال الله تعالى لآدم‎:

يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ‎

وحدثهم آدم عن كل الأشياء التي عرضها الله عليهم ولم يعرفوا‎ ‎أسمائها‎.

قال تعالى في سورة (البقرة‎):

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء‎ ‎كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء‎ ‎هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ (31) ‏صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا‎ ‎إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ‎ ‎أَنبِئْهُم ‏بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ‎ ‎أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ ‏مَا‎ ‎تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‎

أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه‎ ‎علم ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، ‏كما علم ما كتموه من الحيرة في‎ ‎فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية ‏والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم‎ ‎هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته ‏على التعلم والمعرفة.. وعرف‎ ‎الملائكة لماذا أمرهم الله بالسجود له.. كما فهموا السر في ‏أنه سيصبح خليفة في‎ ‎الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة ‏بالخالق.. وهذا ما يطلق‎ ‎عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض ‏وتغييرها والتحكم فيها‎ ‎والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على ‏الأرض‎.

إن نجاح‎ ‎الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل ‏من‎ ‎الأمرين مكمل للآخر‎.


كان آدم يحس الوحدة.. ونام آدم يوما ما فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة تحدق في‎ ‎وجهه ‏بعينين جميلتين ورحيمتين.. وربما دار بينهما هذا الحوار‎:

قال آدم: لم‎ ‎تكوني هنا قبل أن أنام‎.

قالت: نعم‎.

قال: جئت أثناء نومي‎ ‎إذن؟‎

قالت: نعم‎

قال: من أين جئت…؟‎

قالت: جئت من نفسك.. خلقني‎ ‎الله منك وأنت نائم.. ألا تريد أن تستعيدني إليك وأنت ‏مستيقظ؟‎

قال آدم‎: ‎لماذا خلقك الله؟‎

قالت حواء: لتسكن إلي‎.

قال آدم: حمدا لله.. كنت أحس‎ ‎الوحدة‎

سألته الملائكة عن اسمها. قال إن اسمها حواء.. سألوه: لماذا سميتها‎ ‎حواء يا آدم؟‎

قال آدم: لأنها خلقت مني.. وأنا إنسان حي‎

وأصدر الله‎ ‎تعالى أمره لآدم بسكنى الجنة. قال تعالى في سورة (البقرة‎):

وَقُلْنَا يَا‎ ‎آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ‎ ‎شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ ‏فَتَكُونَا مِنَ‎ ‎الْظَّالِمِينَ‎

لا نعرف مكان هذه الجنة. سكت القرآن عن مكانها واختلف‎ ‎المفسرون فيها على خمسة ‏وجوه. قال بعضهم: إنها جنة المأوى، وأن مكانها السماء. ونفى‎ ‎بعضهم ذلك لأنها لو كانت ‏جنة المأوى لحرم دخولها على إبليس ولما جاز فيها وقوع‎ ‎عصيان. وقال آخرون: إنها جنة ‏المأوى خلقها الله لآدم وحواء. وقال غيرهم: إنها جنة‎ ‎من جنات الأرض تقع في مكان مرتفع. ‏وذهب فريق إلى التسليم في أمرها والتوقف.. ونحن‎ ‎نختار هذا الرأي. إن العبرة التي ‏نستخلصها من مكانها لا تساوي شيئا بالقياس إلى‎ ‎العبرة التي تستخلص مما حدث فيها‎.


لم يعد يحس آدم الوحدة. كان يتحدث مع حواء كثيرا، ويستمعان لغناء الخلائق‎ ‎وتسبيح ‏الأنهار، وموسيقى الوجود البكر، قبل أن يعرف الوجود معنى الأحزان والآلام‎. ‎وكان الله قد ‏سمح لهما بأن يقتربا من كل شيء وأن يستمتعا بكل شيء، ما عدا شجرة‎ ‎واحدة. قال الله ‏لهما قبل دخول الجنة‎:

وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ‎ ‎فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ‎

وفهم آدم وحواء أنهما ممنوعان من الأكل من‎ ‎هذه الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ‏ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل‎ ‎إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في ‏صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في‎ ‎نفسه يوما بعد يوم. راح يوسوس إليه ‏يوما بعد يوم‎:

هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى‎ ‎شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى‎

تسائل أدم بينه وبين نفسه. ماذا‎ ‎يحدث لو أكل من الشجرة ..؟ ربما تكون شجرة الخلد حقا، ‏وكل إنسان يحب الخلود. ومرت‎ ‎الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم ‏قررا يوما أن يأكلا منها‎. ‎نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عودهما ‏القديم. ومد آدم يده‎ ‎إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من ‏الثمرة المحرمة‎. ‎قال تعالى في سورة (طه‎):

وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى‎

ليس صحيحا ما‎ ‎تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من ‏الشجرة. إن نص‎ ‎القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة ‏والسلام. وهكذا‎ ‎أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب ‏الفضول. احتقر‎ ‎أحدهما الإنسان، وأراد الآخر أن يجعل نفسه ندا لله بالخلود‎.

لم يكد آدم‎ ‎ينتهي من الأكل حتى أحس أن صدره ينقبض. أحس الألم والحزن والخجل. ‏اكتشف أنه عار،‎ ‎وأن زوجته عارية. اكتشف أنه رجل وأنها امرأة. وبدأ هو وزوجته يقطعان ‏أوراق الشجر‎ ‎لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. وأصدر الله تبارك وتعالى أمره ‏بالهبوط من‎ ‎الجنة‎.

وهبط آدم وحواء إلى الأرض. خرجا من الجنة. كان آدم حزينا وكانت حواء‎ ‎لا تكف عن البكاء. ‏وكانت توبتهما صادقة فتقبل الله منهما التوبة.. وأخبرهما الله أن‎ ‎الأرض هي مكانهما ‏الأصلي.. يعيشان فيهما، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم‎ ‎البعث‎.

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا‏‎ ‎تُخْرَجُونَ‎

حكى الله تعالى قصة الدرس الثالث الذي تعلمه آدم خلال وجوده في‎ ‎الجنة وبعد خروجه ‏منها وهبوطه إلى الأرض. قال الله تعالى في سورة‎ (‎طه‎):

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ‎ ‎لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ‏فَسَجَدُوا‎ ‎إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ‎ ‎وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ ‏فَتَشْقَى (117)إِنَّ لَكَ‎ ‎أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا‎ ‎تَضْحَى (119) ‏فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ‎ ‎عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا ‏مِنْهَا فَبَدَتْ‎ ‎لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ‎ ‎وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ‏‏(121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ‎ ‎وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‎ ‎فَإِمَّا ‏يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ‎ ‎وَلَا يَشْقَى‎

يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من‎ ‎الجنة. ولولا هذه الخطيئة ‏لكنا اليوم هناك. وهذا تصور ساذج لأن الله تعالى حين شاء‎ ‎أن يخلق آدم قال للملائكة: "إِنِّي ‏جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم يقل لهما‎ ‎إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى ‏الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط‎ ‎كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن ‏آدم وحواء سيأكلان من‎ ‎الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. كان الله تعالى يعلم أن الشيطان ‏سيغتصب منهما البراءة‎. ‎وكانت هذه المعرفة شيئا لازما لحياتهما على الأرض. وكانت التجربة ‏كلها ركنا من‎ ‎أركان الخلافة في الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن ‏الشيطان طرد‎ ‎الأبوين من الجنة، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء الشيطان. هل ‏يقال لنا‎ ‎أن الإنسان ميسر مجبور.. وأن آدم كان مجبورا سلفا على أن يخطئ ويخرج من ‏الجنة ويهبط‎ ‎إلى الأرض. حقيقة إن هذا التصور لا يقل سذاجة عن التصور الأول. كان آدم حرا ‏تمام‎ ‎الحرية. ولهذا تحمل تبعة عمله‎.

عصى وأكل الشجرة فأخرجه الله من الجنة‎.. ‎معصيته لا تنافي حريته. بل إنها تستمد ‏وجودها الأصلي من حريته. كل ما في الأمر أن‎ ‎الله كان يعلم سلفا ما سيحدث، يعلم الله ‏الأشياء قبل حدوثها، ولكنه لا يدفعها دفعا‎ ‎أو يقهرها قهرا على الحدوث. إن الله يعطي الحرية ‏لعباده ومخلوقاته‎.

ويرتب‎ ‎على ذلك حكمته العليا في تعمير الأرض وإقامة الخلافة فيها‎.‎


فهم آدم الدرس الثالث. فهم أن إبليس عدوه. فهم بشكل عملي أن إبليس هو السبب في‎ ‎فقدانه للنعيم وفي شقائه. فهم أن الله يعاقب على المعصية. وأن الطريق إلى الجنة يمر‎ ‎بطاعة الله. فهم أن الله يقبل التوبة ويعفو ويرحم ويجتبي. علمهما الله تعالى أن‎ ‎يستغفرا ‏قائلين‎:

قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ‎ ‎لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‎

وقبل الله توبته وعفا‎ ‎عنه وأرسله إلى الأرض. أول رسول لأبنائه‎.

بدأت حياة آدم على الأرض. خرج من‎ ‎الجنة مهاجرا إلى الأرض.. واستن بذلك لأبنائه وأحفاده ‏من الأنبياء سنة‎ ‎الخروج‎.

لا يكاد النبي يبدأ دعوته إلى ربه حتى يضطره قومه إلى الخروج‎.. ‎والهجرة‎.

هناك في الجنة خرج آدم قبل نبوته، وهنا في الأرض يخرج الأنبياء بعد‎ ‎نبوتهم عادة‎.

عرف آدم أنه ودع السلام حين خرج من الجنة‎.

هنا في الأرض‎ ‎كان عليه أن يواجه شقاء وصراعا لا ينتهي أحدهما إلا ليبدأ الآخر، وكان عليه ‏أن يشقى‎ ‎ليأكل، كان عليه أن يحمي نفسه بالملابس والأسلحة، ويحمي زوجته وأطفاله ‏من الحيوانات‎ ‎والوحوش التي تعيش في الأرض. وكان عليه قبل هذا كله وبعده أن يستمر ‏في صراعه مع روح‎ ‎الشر. إن الشيطان هو السبب في خروجه من الجنة. وهو في الأرض ‏يوسوس له ولأولاده‎ ‎ليدخلهم الجحيم. والمعركة بين الخير والشر لا تتوقف، ومن يتبع هدى ‏الله فلا خوف‎ ‎عليه ولا يحزن. ومن يعص الله، ويتبع المخلوق الناري إبليس فهو معه في‎ ‎النار‎.

فهم آدم هذا كله مع الشقاء الذي بدأت به حياته على الأرض. الشيء‎ ‎الوحيد الذي كان ‏يخفف حزنه. أنه قد جاء سلطانا عليها. وعليه أن يخضعها، ويستعمرها،‎ ‎ويزرعها ويبنيها ‏ويعمرها، ينجب فيها نسلا يكبرون ويغيرون شكل الحياة ويجعلونه‎ ‎أفضل‎.

كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا‎ ‎وبنتا. فيحل زواج ابن البطن ‏الأول من البطن الثاني.. وكبر أبناء آدم وتزوجوا،‎ ‎وملئوا الأرض نسلا.. ودعاهم آدم إلى الله ‏تعالى‎.

وقدر لآدم أن يشهد أول‎ ‎انحياز من أحد أبنائه لروح الشر إبليس. وقعت أول جريمة قتل على ‏الأرض. قتل أحد‎ ‎أبناء آدم شقيقه. قتل الشرير أخاه الطيب. قال تعالى في سورة‎ (‎المائدة‎):

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ‎ ‎قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ‎

يقال أن القاتل كان يريد زوجة شقيقه لنفسه.. وأمرهما آدم أن يقدما قربانا،‎ ‎فقدم كل واحد ‏منهما قربانا، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر‎.

قَالَ‎ ‎لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن‎ ‎بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ ‏يَدِيَإِلَيْكَ‎ ‎لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ‎

لاحظ كيف ينقل‎ ‎إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد، ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد ‏القاتل‎ ‎يرفع يده مهددا.. قال القتيل في هدوء‎:

إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي‎ ‎وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء‎ ‎الظَّالِمِينَ‎

انتهى الحوار بينهما وانصرف الشرير وترك الطيب مؤقتا. بعد‎ ‎أيام.. كان الأخ الطيب نائما ‏وسط غابة مشجرة.. مات في نفس الغابة حمار عجوز فأكلت‏‎ ‎النسور لحمه وشربت الأرض ‏دمه وبقي فكه العظمي ملقى على الأرض.. حمله الشرير وتوجه‎ ‎نحو شقيقه النائم، ورفع ‏يده وأهوى بها بعنف وسرعة‎.

ارتج الوجه الطيب حين‎ ‎انبثق منه الدم واستيقظ، كان يحلم وهو نائم وترتسم على شفتيه ‏ابتسامة فغطت دماؤه‎ ‎بسمته.. وعاد القتيل ينهال على شقيقه حتى سكنت حركته.. أدرك ‏القاتل أن شقيقه فارق‎ ‎الحياة‎.

جلس القاتل أمام القتيل ساكنا مصفر الوجه. قال رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم: "لا تقتل ‏نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول‎ ‎من سن القتل". جلس ‏القاتل أمام شقيقه المضرج في دمه. ماذا يقول لأبيه آدم لو سأل‎ ‎عنه؟ لقد شاهدهما ‏يخرجان معا. فكيف يعود وحده؟ ولو أنكر أمام أبيه أنه قتل شقيقه،‎ ‎فأين يخفي جثته؟ أين ‏يذهب بها؟ كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض.. ولم‎ ‎يكن دفن الموتى شيئا ‏قد عرف بعد. وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها.. مزق الهواء‎ ‎صوت طائر يصرخ. أفزعته ‏الصرخة وملأت نفسه بشؤم مجهول. التفت القاتل، فوجد غرابا حيا‎ ‎يصرخ فوق جثة غراب ‏ميت. وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى‎ ‎جواره وبدأ يحفر ‏الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر ثم صرخ صرختين قصيرتين وعاد‏‎ ‎يهيل عليه التراب.. ‏بعدها طار في الجو وهو يصرخ‎.

وقف القاتل وانكفأ على جثة‎ ‎شقيقه.. صرخ‎:

قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا‎ ‎الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخي‎

اندلع حزنه على أخيه كالنار فأحرقه‎ ‎الندم. اكتشف فجأة. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، ‏قد قتل الأفضل والأقوى. نقص‎ ‎أبناء آدم واحدا. وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم. واهتز ‏جسد القاتل ببكاء عنيف ثم‎ ‎أنشب أظافره في الأرض وراح يحفر قبر شقيقه. قال آدم حين ‏عرف القصة‎:

هَذَا‎ ‎مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ‎

وحزن حزنا‎ ‎شديدا على خسارته في ولديه. مات أحدهما، وكسب الشيطان الثاني‎.

صلى آدم على‎ ‎ابنه، وعاد إلى حياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا ‏يعظ أبنائه‎ ‎وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه، ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه. ‏ويروي لهم‎ ‎قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه‎.

وكبر آدم‎. ‎ومرت سنوات وسنوات.. وعلى فراش من أغصان الشجر والورد يرقد آدم بلحيته ‏البيضاء‎ ‎ووجهه الطيب. أبناؤه جميعا يقفون حوله في انتظار وصيته. وتحدث آدم فأفهم أبناءه ‏أن‎ ‎هناك سفينة واحدة لنجاة الإنسان، وسلاحا واحدا لانتصاره، هذه السفينة هي هدى الله،‎ ‎وهذا السلاح هو كلمات الله‎.

طمأن آدم أبناءه بأن الله لن يترك الإنسان وحده‎ ‎على الأرض.. إنما سيرسل أنبياءه لهدايته ‏وإنقاذه. وسيختلف الأنبياء في الأسماء‎ ‎والصفات والمعجزات.. ولكنهم سيجمعون على شيء ‏واحد: الدعوة إلى عبادة الله‏‎ ‎وحده‎.

وتلك كانت وصية آدم لأبنائه‎.

انتهى آدم من وصيته وأغمض عينيه،‎ ‎دخل الملائكة حجرته وأحاطوا به وتعرف بينهم على ‏ملك الموت.. وابتسم قلبه للسلام‎ ‎العميق.. وهبت على روحه رائحة أزهار الجنة‎.‎










منقول من شبكة الندابي






الصورة الشخصية لـ السنعوسي

عضو متميز


رقم العضوية : 1960

تاريخ التسجيل: Sep 2003

المشاركات : 140

المواضيع : 43

عدد مشاركات اليوم :


نقد عربي: 88,318


المصرف: 0


المجموع نقد عربي: 88,318
تبرع


نقاط الترشيح : 0

المستوى : السنعوسي مميز



الـــهدايـا :
 
اعلانات خاصة في اعضاء منتديات البدو فقط
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي

 
 

قديم 05-23-2005, 02:05 صباحاً

 





إدريس عليه السلام‏‎



كان صديقا نبيا ومن‎ ‎الصابرين، أول نبي بعث في الأرض بعد آدم، وهو أبو جد نوح، أنزلت ‏عليه ثلاثون صحيفة،‎ ‎ودعا إلى وحدانية الله وآمن به ألف إنسان، وهو أول من خط بالقلم ‏وأول من خاط الثياب‎ ‎ولبسها، وأول من نظر في علم النجوم وسيرها‎.


قال تعالى في سورة مريم:‏‎

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ‎ ‎كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا‎

إدريس‎ ‎عليه السلام هو أحد الرسل الكرام الذين أخبر الله تعالي عنهم في كتابة العزيز،‎ ‎وذكره في بضعة مواطن من سور القرآن، وهو ممن يجب الإيمان بهم تفصيلاً أي يجب اعتقاد‎ ‎نبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم لأن القرآن قد ذكره باسمه وحدث عن شخصه ‏فوصفه‎ ‎بالنبوة والصديقية. نسبة هو إدريس بن يارد بن مهلائيل وينهي نسبة إلى شيث بن ‏آدم‎ ‎عليه السلام واسمه عند العبرانيين (خنوخ) وفي الترجمة العربية (أخنوخ) وهو من ‏أجداد‎ ‎نوح عليه السلام‎.‎


إدريس عليه السلام هو أول بني آدم أعطي النبوة بعد (آدم) و(شيث) عليهما السلام،‎ ‎وذكر ‏ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم عليه السلام 308 سنوات‏‎ ‎لأن آدم ‏عمر طويلاً زهاء 1000 ألف سنة كما مر في قصته عليه السلام‏‎.

وقد‎ ‎أختلف العلماء في مولده ونشأته، فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل، وقال آخرون إنه ولد‎ ‎بمصر والصحيح الاول، وقد أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، ولما كبر آتاه الله‎ ‎النبوة ‏فنهي المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة (آدم) وشيث) فأطاعه نفر قليل،‎ ‎وخالفه ‏جمع خفير، فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل عن‎ ‎أوطانهم ‏فقالوا له، وأين نجد إذا رحلنا مثل (بابل) فقال إذا هاجرنا الله رزقنا‎ ‎غيره، فخرج وخرجوا حتى ‏وصلوا إلى أرض مصر فرأوا النيل فوقف على النيل وسبح الله،‎ ‎وأرقام إدريس ومن معه ‏بمصر يدعو الناس إلى الله وإلى مكارم الأخلاق‎.

وقد‎ ‎كانت مدة إقامة (إدريس) عليه السلام في الأرض (82) سنة ثم رفعه الله إليه كما قال‎ ‎تعالي (ورفعناه مكاناً عليا) وكانت له مواعظ وآداب فقد دعا إلى دين الله، وإلى‎ ‎عبادة الخالق ‏جل وعلا، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة، بالعمل الصالح في الدنيا‎ ‎وحض على ‏الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة، وأمرهم بالصلاة والصيام والزكاة وغلظ‎ ‎عليهم في ‏الطهارة من الجنابة، وحرم المسكر من كل شي من المشروبات وشدد فيه أعظم‎ ‎تشديد ‏وقيل إنه كان في زمانه 72 لساناً يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالي منطقهم‎ ‎جميعاً ليعلم ‏كل فرقة منهم بلسانهم. وهو أول من علم السياسة المدنية، ورسم لقومه‎ ‎قواعد تمدين ‏المدن، فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وانشئت في زمانه 188‏‎ ‎مدينة وقد اشتهر ‏بالحكمة فمن حكمة قوله، (خير الدنيا حسرة، وشرها ندم ) وقوله‎ (‎السعيد من نظر إلى ‏نفسه وشفاعته عند ربه أعماله الصالحة) وقوله الصبر مع الإيمان‎ ‎يورث الظفر‎.‎














منقول من شبكة الندابي



توقيع البدو



يا غير مسجل نرجو منك دخول هذا الموضوع

http://www.albdoo.com/vb/t30010.html




الصورة الشخصية لـ البدو

المـــــدير العـــام

الجنس :  : male

الدولـة : علم الدولة : Saudi Arabia

رقم العضوية : 2

تاريخ التسجيل: Aug 2003

المشاركات : 10,607

المواضيع : 521

عدد مشاركات اليوم : 5


نقد عربي: 1,006,665


المصرف: 0


المجموع نقد عربي: 1,006,665
تبرع


نقاط الترشيح : 675

المستوى : البدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسي



الـــهدايـا :

 
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي

 
 

قديم 05-23-2005, 02:14 صباحاً

 



نوح عليه السلام‏‏‎


كان نوح تقيا صادقا أرسله‎ ‎الله ليهدي قومه وينذرهم عذاب الآخرة ولكنهم عصوه وكذبوه، ‏ومع ذلك استمر يدعوهم إلى‎ ‎الدين الحنيف فاتبعه قليل من الناس، واستمر الكفرة في ‏طغيانهم فمنع الله عنهم المطر‎ ‎ودعاهم نوح أن يؤمنوا حتى يرفع الله عنهم العذاب فآمنوا ‏فرفع الله عنهم العذاب‎ ‎ولكنهم رجعوا إلى كفرهم، وأخذ يدعوهم 950 سنة ثم أمره الله ببناء ‏السفينة وأن يأخذ‎ ‎معه زوجا من كل نوع ثم جاء الطوفان فأغرقهم أجمعين‎.‎


قبل أن يولد قوم نوح عاش خمسة رجال صالحين من أجداد قوم نوح، عاشوا زمنا ثم‎ ‎ماتوا، ‏كانت أسماء الرجال الخمسة هي: (ودَّ، سُواع، يغوث، يعوق، نسرا). بعد موتهم‎ ‎صنع الناس ‏لهم تماثيل في مجال الذكرى والتكريم، ومضى الوقت.. ومات الذين نحتوا‎ ‎التماثيل.. وجاء ‏أبنائهم.. ومات الأبناء وجاء أبناء الأبناء.. ثم نسجت قصصا وحكايات‎ ‎حول التماثيل تعزو لها قوة ‏خاصة.. واستغل إبليس فرصته وهي تمر إلى جواره، وأوهم‎ ‎الناس أن هذه تماثيل آلهة تملك ‏النفع وتقدر على الضرر.. وبدأ الناس يعبدون هذه‎ ‎التماثيل‎.‎

من الأمور المعروفة لدينا أنه عندما يستبدل الإنسان عبادته لله بعبادة شيء آخر،‎ ‎ينتكس ‏العقل البشري، ويتبع ذلك أن يزيد ظلم الظالمين وذل المظلومين، كما يزيد فقر‎ ‎الفقراء وغنى ‏الأغنياء.. ويتحول الوجود الإنساني كله إلى جحيم لا يحتمل‎.

ينطبق هذا القانون دائما عندما يعبد الناس غير الله.. سواء أكان المعبود‎ ‎صنما من الحجارة، ‏أم عجلا من الذهب، أم حاكما من الناس، أم نظاما من الأنظمة، أم‎ ‎مذهبا من المذاهب، أم ‏قبر ولي من الأولياء. ذلك أن الضمان الوحيد للمساواة بين‎ ‎البشر يكمن في عبوديتهم جميعا ‏لله، وكون الله هو خالقهم والمشرع لهم.. فإذا ضاع هذا‎ ‎الضمان، وادعى أحد من الناس، أو ‏زعم أحد الأنظمة لنفسه حق الألوهية، فقد ضاع الناس‎ ‎وضاعت حرياتهم تماما‎.

وليست عبادة غير الله مأساة تتمثل في ضياع الحرية‎ ‎وحدها، وإنما يمتد أثرها الخطير إلى ‏عقل الإنسان فيلوثه وينكس أعلامه ويدمره. ذلك‎ ‎أن الله تعالى خلق الإنسان ليعرف، وجعل ‏عقله جوهرة هدفها العلم.. وأخطر علم هو‎ ‎العلم بأن الله وحده هو الخالق وما سواه عبيد. ‏هذه نقطة بدء لا بد منها لتحقيق‎ ‎الخلافة بنجاح‎.

وعندما يهدر العقل البشري إمكانياته، وينصرف لغير الله، لا‎ ‎يعود هناك خطأ يتوقف عنده ‏العقل البشري، أو يراجع نفسه فيه.. وقد يحدث أن يتقدم‎ ‎الإنسان ماديا بسبب أخذه بأسباب ‏التقدم رغم عدم إيمانه، ولكن هذا التقدم المادي‎ ‎الذي لا يخلو من معرفة الله، يكون عذابا ‏أعظم من أي عذاب، لأنه ينتهي بتحطيم‎ ‎الإنسان لنفسه.. وعندما يعبد الناس غير الله تعالى، ‏يزداد بؤس الحياة وفقر الناس‎.. ‎هناك علاقة وثيقة بين ذل الناس، وفقرهم وعدم إيمانهم ‏بالله وعدم تقواهم. يقول الله‎ ‎تعالى في سورة (الأعراف‎):

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ‏‎ ‎وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن‎ ‎كَذَّبُواْ ‏فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‎

وهكذا يؤدي الكفر‎ ‎بالله أو الشرك به إلى ذهاب الحرية، وتحطيم العقل، وزيادة الفقر، وخلو ‏الحياة من‎ ‎هدف نبيل. وفي هذا الجو أظهر الله تعالى نوحا وبعثه برسالته إلى قومه‎.

كان‎ ‎نوح بمقياس العظمة أعظم إنسان في عصره. لم يكن ملكا في قومه، ولا رئيسا عليهم، ‏ولا‎ ‎أغنى واحد فيهم. فالعظمة الحقيقة ليست في لاملك أو الرئاسة أو الغنى مكا يعتقد‎ ‎البعض الآن. إنما توجد العظمة في خضوع القلب لله ونقاءه، وطهارة الضمير، وقيمة‎ ‎الأفكار ‏التي يحملها العقل، وقدرة هذا العقل على تغيير الحياة حوله. وكان نوح هذا‎ ‎كله وأكثر‎.

كان على الفطرة مؤمنا بالله تعالى. قبل بعثته إلى الناس، وكل‎ ‎الأنبياء مؤمنون بالله تعالى ‏قبل بعثتهم. وهناك سبب آخر لعظمة نوح. كان إذا استيقظ‎ ‎أو نام أو شرب أو أكل أو لبس ‏ملابسه أو خرج أو دخل، يشكر الله ويحمده، ويذكر نعمته‎ ‎عليه، ويعاود الشكر، ولهذا قال الله ‏تعالى عن نوح‎:

إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا‎ ‎شَكُورًا‎

اختار الله عبده الشاكر وأرسله نبيا إلى قومه. وخرج نوح على قومه‎ ‎فبدأ دعوته‏‎:

يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ‎ ‎غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‎

بهذه الجملة‎ ‎الموجزة وضع نوح قومه أمام حقيقة الألوهية.. وحقيقة البعث. هناك إله خالق ‏وهو وحده‎ ‎الذي يستحق العبادة.. وهناك موت ثم بعث ثم يوم للقيامة. يوم عظيم، فيه عذاب ‏يوم‎ ‎عظيم‎.

شرح "نوح" لقومه أنه يستحيل أن يكون هناك غير إله واحد هو الخالق‎. ‎أفهمهم أن الشيطان ‏قد خدعهم زمنا طويلا، وأن الوقت قد جاء ليتوقف هذا الخداع، حدثهم‎ ‎نوح عن تكريم الله ‏للإنسان. كيف خلقه، ومنحه الرزق وأعطاه نعمة العقل، وليست عبادة‎ ‎الأصنام غير ظلم ‏خانق للعقل‎.

تحرك قوم نوح في اتجاهين بعد دعوته. لمست‎ ‎الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، ‏وانحنت على جراحهم وآلامهم بالرحمة.. أما‎ ‎الأغنياء والأقوياء والكبراء، تأملوا الدعوة بعين ‏الشك البارد… ولما كانوا يستفيدون‎ ‎من بقاء الأوضاع على ما هي عليه.. فقد بدءوا حربهم ‏ضد نوح‎.

في البداية‎ ‎اتهموا نوحا بأنه بشر مثلهم‎:

فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن‎ ‎قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا‎

قال تفسير القرطبي: الملأ‎ ‎الذين كفروا من قومه هم الرؤساء الذين كانوا في قومه. يسمون ‏الملأ لأنهم مليئون بما‎ ‎يقولون‎.

قال هؤلاء الملأ لنوح: أنت بشر يا نوح‎.

رغم أن نوحا لم يقل‎ ‎غير ذلك، وأكد أنه مجرد بشر.. والله يرسل إلى الأرض رسولا من البشر، ‏لأن الأرض‎ ‎يسكنها البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الله رسولا من الملائكة‎.. ‎استمرت الحرب بين الكافرين ونوح‎.


في البداية، تصور الكفرة يومها أن دعوة نوح لا تلبث أن تنطفئ وحدها، فلما وجدوا‎ ‎الدعوة ‏تجتذب الفقراء والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة بدءوا الهجوم على نوح من هذه‎ ‎الناحية. ‏هاجموه في اتباعه، وقالوا له: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل‎.

قال تعالى في سورة (هود‎):

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى‎ ‎قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ‎ ‎إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ‏عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلأُ‎ ‎الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا‎ ‎نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ ‏الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا‎ ‎نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ‎

هكذا اندلع‎ ‎الصراع بين نوح ورؤساء قومه. ولجأ الذين كفروا إلى المساومة. قالوا لنوح: ‏اسمع يا‎ ‎نوح. إذا أردت أن نؤمن لك فاطرد الذين آمنوا بك. إنهم ضعفاء وفقراء، ونحن سادة‎ ‎القوم وأغنياؤهم.. ويستحيل أن تضمنا دعوة واحدة مع هؤلاء‎.

واستمع نوح إلى‎ ‎كفار قومه وأدرك أنهم يعاندون، ورغم ذلك كان طيبا في رده. أفهم قومه ‏أنه لا يستطيع‎ ‎أن يطرد المؤمنين، لأنهم أولا ليسوا ضيوفه، إنما هم ضيوف الله.. وليست ‏الرحمة بيته‎ ‎الذي يدخل فيه من يشاء أو يطرد منه من يشاء، إنما الرحمة بيت الله الذي ‏يستقبل فيه‎ ‎من يشاء. قال تعالى في سورة (هود‎):

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن‎ ‎كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ‎ ‎عَلَيْكُمْ ‏أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لا‎ ‎أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ‎ ‎بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ‎ ‎قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ‏اللّهِ إِن‎ ‎طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30) وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ‎ ‎اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ ‏إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ‎ ‎لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ‎ ‎أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي ‏إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ‎

كان‎ ‎نوح يناقش كل حجج الكافرين بمنطق الأنبياء الكريم الوجيه. وهو منطق الفكر الذي ‏يجرد‎ ‎نفسه من الكبرياء الشخصي وهوى المصالح الخاصة‎.

قال لهم إن الله قد آتاه‎ ‎الرسالة والنبوة والرحمة. ولم يروا هم ما آتاه الله، وهو بالتالي لا ‏يجبرهم على‎ ‎الإيمان برسالته وهم كارهون. إن كلمة لا إله إلا الله لا تفرض على أحد من ‏البشر‎. ‎أفهمهم أنه لا يطلب منهم مقابلا لدعوته، لا يطلب منهم مالا فيثقل عليهم، إن أجره‎ ‎على الله، هو الذي يعطيه ثوابه. أفهمهم أنه لا يستطيع أن يطرد الذين آمنوا بالله،‎ ‎وأن له ‏حدوده كنبي. وحدوده لا تعطيه حق طرد المؤمنين لسببين: أنهم سيلقون الله‎ ‎مؤمنين به ‏فكيف يطرد مؤمنا بالله؟ ثم أنه لو طردهم لخاصموه عند الله وهذا يستتبع أن‎ ‎يثبتهم الله على ‏إيمانهم، ويجازي من طردهم، فمن الذي ينصر نوحا من الله لو طردهم؟‎ ‎وهكذا انتهى نوح ‏إلى أن مطالبة قومه له بطرد المؤمنين جهل منهم‎.

وعاد نوح‎ ‎يقول لهم أنه لا يدعى لنفسه أكثر مما له من حق، وأخبرهم بتذللـه وتواضعه لله ‏عز‎ ‎وجل، فهو لا يدعي لنفسه ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء من ‏عباده،‎ ‎وهو لا يعلم الغيب، لأن الغيب علم اختص الله تعالى وحده به. أخبرهم أيضا أنه ليس‎ ‎ملكا. بمعنى أن منزلته ليست كمنزلة الملائكة.. وقد استدل بعض العلماء من هذه الآية‎ ‎على ‏أن الملائكة أفضل من الأنبياء (انظر تفسير القرطبي). قال لهم نوح: إن الذين‎ ‎تزدري أعينكم ‏وتحتقر وتستثقل.. إن هؤلاء المؤمنين الذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم‎ ‎وتضيع لاحتقاركم ‏لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي يجازيهم عليه ويؤاخذهم به‎.. ‎أظلم نفسي لو قلت ‏إن الله لن يؤتيهم خيرا‎.

وسئم الملأ يومها من هذا الجدل‎ ‎الذي يجادله نوح.. حكى الله موقفهم منه في سورة ‏‏(هود‎):

قَالُواْ يَا نُوحُ‎ ‎قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ‎ ‎مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا ‏يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا‎ ‎أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ‎ ‎لَكُمْ إِن ‏كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ‎ ‎تُرْجَعُونَ‎

أضاف نوح إغواءهم إلى الله تعالى. تسليما بأن الله هو الفاعل‎ ‎في كل حال. غير أنهم ‏استحقوا الضلال بموقفهم الاختياري وملئ حريتهم وكامل إرادتهم‎.. ‎وقديما قال إبليس عليه ‏لعنة الله‎:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي‎

وينصرف معنى العبارة الظاهري إلى أن الله تعالى هو الذي أغواه.. والحقيقة‎ ‎أن الله سبحانه ‏وتعالى أعطاه حريته ثم حاسبه عليها، ونحن لا نرى رأي القدرية‎ ‎والمعتزلة والإمامية. أنهم ‏يرون إن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعة‎ ‎كانت أو معصية، لأن الإنسان ‏عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى‎ ‎ربه‎.

لا نرى رأيهم هذا بإطلاقه. إنما نرى إن الإنسان صانع لأفعاله ولكنه‎ ‎محتاج في صدورها عنه ‏إلى ربه. بهذه النظرة يستقيم معنى مساءلة الإنسان عن أفعاله‎. ‎كل ما في الأمر أن الله ‏ييسر كل مخلوق لما خلق له، سواء أكان التيسير إلى الخير أم‎ ‎إلى الشر.. وهذا من تمام ‏الحرية وكمالها. يختار الإنسان بحريته فييسر له الله تعالى‎ ‎طريق ما اختاره. اختار إبليس ‏طريق الغواية فيسر الله له طريق الغواية. واختار كفار‎ ‎قوم نوح نفس الطريق فيسره الله ‏لهم‎.

وتستمر المعركة، وتطول المناقشة بين‎ ‎الكافرين من قوم نوح وبينه إذا انهارت كل حجج ‏الكافرين ولم يعد لديهم ما يقال،‎ ‎بدءوا يخرجون عن حدود الأدب ويشتمون نبي الله‎:

قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ‎ ‎إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ‎

ورد عليهم نوح بأدب الأنبياء‎ ‎العظيم‎:

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن‎ ‎رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ ‏لَكُمْ‎ ‎وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‎

ويستمر نوح في دعوة قومه إلى‏‎ ‎الله. ساعة بعد ساعة. ويوما بعد يوم. وعاما بعد عام. ومرت ‏الأعوام ونوح يدعو قومه‎. ‎كان يدعوهم ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، يضرب لهم الأمثال. ويشرح ‏لهم الآيات ويبين لهم‎ ‎قدرة الله في الكائنات، وكلما دعاهم إلى الله فروا منه، وكلما دعاهم ‏ليغفر الله لهم‎ ‎جعلوا أصابعهم في آذانهم واستكبروا عن سماع الحق‎.

حكى الله تعالى ما لقيه‎ ‎نوح في سورة (نوح‎):

فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6‏‎) ‎وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي‎ ‎آذَانِهِمْ ‏وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا‎ (7) ‎ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ ‏لَهُمْ‎ ‎وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ‎ ‎كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم ‏مِّدْرَارًا (11‏‎) ‎وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل‎ ‎لَّكُمْ أَنْهَارًا‎

ماذا كان جواب قومه بعد هذا كله؟‎

قَالَ نُوحٌ‎ ‎رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ‎ ‎إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ‏‏(22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ‎ ‎آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ‎ ‎وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا ‏كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا‎ ‎ضَلَالًا‎

واستمر نوح يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما. قال تعالى‎ ‎في سورة ‏‏(العنكبوت‎):

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ‎ ‎فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ‎ ‎ظَالِمُونَ


وكان يلاحظ أن عدد المؤمنين لا يزيد، بينما يزيد عدد الكافرين. وحزن نوح غير‎ ‎أنه لم يفقد ‏الأمل، وظل يدعو قومه ويجادلهم، وظل قومه على الكبرياء والكفر والتبجح‎. ‎وحزن نوح على ‏قومه. لكنه لم يبلغ درجة اليأس. ظل محتفظا بالأمل طوال 950 سنة. ويبدو‎ ‎أن أعمار الناس ‏قبل الطوفان كانت طويلة، وربما يكون هذا العمر الطويل لنوح معجزة‎ ‎خاصة له‎.

وجاء يوم أوحى الله إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن‎. ‎أوحى الله إليه ألا يحزن ‏عليهم. ساعتها دعا نوح على الكافرين بالهلاك‎:

وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ‎ ‎دَيَّارًا‎

برر نوح دعوته بقوله‎:

إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا‎ ‎عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا‎

يخبرنا الله تعالى في‎ ‎سورة (هود) بما أوحى به لنبيه الكريم نوح عليه السلام فيقول‎:

وَأُوحِيَ‎ ‎إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ‎ ‎تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) ‏وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا‎ ‎وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ‎

انتهى الأمر وأصدر الله تعالى حكمه على الكافرين بالطوفان. أخبر الله تعالى‎ ‎عبده نوحا أنه ‏سيصنع هذه السفينة بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا أي بعلم الله وتعليمه،‎ ‎وعلى مرأى منه وطبقا لتوجيهاته ‏ومساعدة الملائكة. أصدر الله تعالى أمره إلى نوح‎:

وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ‎

يغرق الله الذين ظلموا مهما كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الله‎ ‎نبيه أن يخاطبه أو ‏يتوسط لهم‎.

وبدأ نوح يغرس الشجر ويزرعه ليصنع منه‎ ‎السفينة. انتظر سنوات، ثم قطع ما زرعه، وبدأ ‏نجارته. كانت سفينة عظيمة الطول‎ ‎والارتفاع والمتانة، وقد اختلف المفسرون في حجمها، ‏وهيئتها، وعدد طبقاتها، ومدة‎ ‎عملها، والمكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها، وعرضها، على ‏أقوال متعارضة لم يصح‎ ‎منها شيء. وقال الفخر الرازي في هذا كله: أعلم أن هذه المباحث ‏لا تعجبني، لأنها‎ ‎أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا. نحن نتفق ‏مع‎ ‎الرازي في مقولته هذه. فنحن لا نعرف عن حقيقة هذه السفينة إلا ما حدثنا الله به‎. ‎تجاوز الله تعالى هذه التفصيلات التي لا أهمية لها، إلى مضمون القصة ومغزاها المهم‎.

بدأ نوح يبني السفينة، ويمر عليه الكفار فيرونه منهمكا في صنع السفينة،‎ ‎والجفاف سائد، ‏وليست هناك أنهار قريبة أو بحار. كيف ستجري هذه السفينة إذن يا نوح؟‎ ‎هل ستجري على ‏الأرض؟ أين الماء الذي يمكن أن تسبح فيه سفينتك؟ لقد جن نوح، وترتفع‎ ‎ضحكات الكافرين ‏وتزداد سخريتهم من نوح. وكانوا يسخرون منه قائلين: صرت نجارا بعد أن‎ ‎كنت نبيا‎!

إن قمة الصراع في قصة نوح تتجلى في هذه المساحة الزمنية، إن‎ ‎الباطل يسخر من الحق. ‏يضحك عليه طويلا، ويسخر منه طويلا، متصورا أن الدنيا ملكه،‎ ‎وأن الأمن نصيبه، وأن العذاب ‏غير واقع.. غير أن هذا كله مؤقت بموعد حلول الطوفان‎. ‎عندئذ يسخر المؤمنون من الكافرين، ‏وتكون سخريتهم هي الحق. قال تعالى في سورة (هود‎):

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ‎ ‎سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ‏كَمَا‎ ‎تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ‎ ‎عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ‎

انتهى صنع السفينة، وجلس نوح ينتظر أمر الله‎. ‎أوحى الله إلى نوح أنه إذا فار التنور هذا ‏علامة على بدء الطوفان. قيل في تفسير‎ ‎التنور أنه بركان في المنطقة، وقيل أن الفرن ‏الكائن في بيت نوح، إذا خرج منه الماء‎ ‎وفار كان هذا أمرا لنوح بالحركة‎.

وجاء اليوم الرهيب، فار التنور. وأسرع نوح‎ ‎يفتح سفينته ويدعو المؤمنين به، وهبط جبريل ‏عليه السلام إلى الأرض. حمل نوح إلى‎ ‎السفينة من كل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين، ‏بقرا وثورا، فيلا وفيلة، عصفورا‎ ‎وعصفور، نمرا ونمرة، إلى آخر المخلوقات‎.

كان نوح قد صنع أقفاصا للوحوش وهو‎ ‎يصنع السفينة. وساق جبريل عليه السلام أمامه من ‏كل زوجين اثنين، لضمان بقاء نوع‎ ‎الحيوان والطير على الأرض، وهذا معناه أن الطوفان أغرق ‏الأرض كلها، فلولا ذلك ما‎ ‎كان هناك معنى لحمل هذه الأنواع من الحيوان والطير‎.

وبدأ صعود السفينة‎. ‎صعدت الحيوانات والوحوش والطيور، وصعد من آمن بنوح، وكان عدد ‏المؤمنين قليلا. قال‎ ‎تعالى في سورة (هود‎):

حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ‎ ‎قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن‎ ‎سَبَقَ عَلَيْهِ ‏الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ‎

لم تكن زوجة نوح مؤمنة به فلم تصعد، وكان أحد أبنائه يخفي كفره ويبدي‎ ‎الإيمان أمام نوح، ‏فلم يصعد هو الآخر. وكانت أغلبية الناس غير مؤمنة هي الأخرى، فلم‎ ‎تصعد. وصعد ‏المؤمنون. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: آمن من قوم نوح ثمانون إنسانا‎.

ارتفعت المياه من فتحات الأرض. لم تبق هناك فتحة في الأرض إلا خرج منها‎ ‎الماء. انهمرت ‏من السماء أمطارا غزيرة بكميات لم تر مثلها الأرض قبلها، ولن ترى‎ ‎بعدها. وراحت المياه ‏تسقط من السماء وتخرج من فتحات الأرض، وترتفع ساعة بعد ساعة‎. ‎فقدت البحار هدوئها، ‏وانفجرت أمواجها تجور على اليابسة، وتكتسح الأرض. كان باطن‎ ‎الأرض يتحرك حركة غير ‏عادية. ارتفعت قيعان المحيطات ارتفاعات مفاجئة، واندفع موج‎ ‎البحار يكتسح أمامه الجزء ‏اليابس من الأرض‎.

وغرقت الكرة الأرضية للمرة‎ ‎الأولى في المياه. كانت أثناء الطوفان هي الكرة المائية، لم تعد ‏كرة أرضية. قال‎ ‎تعالى في سورة (القمر‎):

فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء‎ ‎مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ‎ ‎قَدْ قُدِرَ(12) ‏وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ‎

ارتفعت‎ ‎المياه أعلى من الناس. تجاوزت قمم الأشجار، وقمم الجبال، وغطت سطح الأرض ‏كله. وفي‎ ‎بداية الطوفان نادى نوح ابنه. كان ابنه يقف بمعزل منه. ويحكي لنا المولى عز ‏وجل‎ ‎الحوار القصير الذي دار بين نوح عليه السلام وابنه قبل أن يحول بينهما الموج فجأة‎. ‎نادى نوح ابنه قائلا‎:

يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ‎ ‎الْكَافِرِينَ‎

ورد الابن عليه‎:

قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ‎ ‎يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء‎

عاد نوح يخاطبه‎:

قَالَ لاَ عَاصِمَ‎ ‎الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ‎

وانتهى الحوار بين نوح‎ ‎وابنه‎:

وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ‎

انظر إلى تعبير القرآن الكريم‎:

وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ‎

أنهى الموج حوارهما فجأة. نظر نوح فلم يجد ابنه. لم يجد غير جبال الموج‎ ‎التي ترتفع وترفع ‏معها السفينة، وتفقدها رؤية كل شيء غير المياه. وشاءت رحمة الله‎ ‎أن يغرق الابن بعيدا ‏عن عين الأب، رحمة منه بالأب، واعتقد نوح أن ابنه المؤمن تصور‎ ‎أن الجبل سيعصمه من ‏الماء، فغرق‎.

واستمر الطوفان. استمر يحمل سفينة نوح‎. ‎بعد ساعات من بدايته، كانت كل عين تطرف ‏على الأرض قد هلكت غرقا. لم يعد باقيا من‎ ‎الحياة والأحياء غير هذا الجزء الخشبي من ‏سفينة نوح، وهو ينطوي على الخلاصة المؤمنة‎ ‎من أهل الأرض. وأنواع الحيوانات والطيور ‏التي اختيرت بعناية. ومن الصعب اليوم تصور‎ ‎هول الطوفان أو عظمته. كان شيئا مروعا يدل ‏على قدرة الخالق. كانت السفينة تجري بهم‎ ‎في موج كالجبال. ويعتقد بعض العلماء اليوم إن ‏انفصال القارات وتشكل الأرض في صورتها‎ ‎الحالية، قد وقعا نتيجة طوفان قديم جبار، ثارت ‏فيه المياه ثورة غير مفهومة. حتى غطت‏‎ ‎سطح الجزء اليابس من الأرض، وارتفعت فيه قيعان ‏المحيطات ووقع فيه ما نستطيع تسميته‎ ‎بالثورة الجغرافية‎.‎


استمر طوفان نوح زمنا لا نعرف مقداره. ثم صدر الأمر الإلهي إلى السماء أن تكف‎ ‎عن ‏الإمطار، وإلى الأرض أن تستقر وتبتلع الماء، وإلى أخشاب السفينة أن ترسو على‎ ‎الجودي، ‏وهو اسم مكان قديم يقال انه جبل في العراق‎.

طهر الطوفان الأرض‎ ‎وغسلها. قال تعالى في سورة (هود‎):

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ‎ ‎وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى‎ ‎الْجُودِيِّ ‏وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏‎

‎(‎وَغِيضَ الْمَاء‎) ‎بمعنى نقص الماء وانصرف عائدا إلى فتحات الأرض. ( وَقُضِيَ الأَمْرُ ) بمعنى ‏أنه‎ ‎أحكم وفرغ منه، يعني هلك الكافرون من قوم نوح تماما. ويقال أن الله أعقم أرحامهم‎ ‎أربعين سنة قبل الطوفان، فلم يكن فيمن هلك طفل أو صغير. (وَاسْتَوَتْ عَلَى‏‎ ‎الْجُودِيِّ) ‏بمعنى رست عليه، وقيل كان ذلك يوم عاشوراء. فصامه نوح، وأمر من معه‎ ‎بصيامه. (وَقِيلَ ‏بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا لهم. طهر الطوفان‎ ‎الأرض منهم وغسلها. ذهب الهول بذهاب ‏الطوفان. وانتقل الصراع من الموج إلى نفس نوح‎.. ‎تذكر ابنه الذي غرق‎.

لم يكن نوح يعرف حتى هذه اللحظة أن ابنه كافر. كان‎ ‎يتصور أنه مؤمن عنيد، آثر النجاة ‏باللجوء إلى جبل. وكان الموج قد أنهى حوارهما قبل‎ ‎أن يتم.. فلم يعرف نوح حظ ابنه من ‏الإيمان. تحركت في قلب الأب عواطف الأبوة‎.

قال تعالى في سورة (هود‎):

وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ‏‎ ‎إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ‎ ‎الْحَاكِمِينَ‎

أراد نوح أن يقول لله أن ابنه من أهله المؤمنين. وقد وعده‎ ‎الله بنجاة أهله المؤمنين. قال الله ‏سبحانه وتعالى، مطلعا نوحا على حقيقة ابنه‎ ‎للمرة الأولى‎:

يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ‎ ‎غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن‎ ‎تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‎

قال القرطبي -نقلا عن شيوخه من العلماء- وهو‏‎ ‎الرأي الذي نؤثره: كان ابنه عنده -أي نوح- ‏مؤمنا في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه‎: (‎إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) إلا وذلك عنده كذلك، إذ محال أن ‏يسأل هلاك الكفار، ثم‎ ‎يسأل في إنجاء بعضهم. وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الإيمان. فأخبر ‏الله تعالى نوحا‎ ‎بما هو منفرد به من علم الغيوب. أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. ‏وكان الله‎ ‎حين يعظه أن يكون من الجاهلين، يريد أن يبرئه من تصور أن يكون ابنه مؤمنا، ثم ‏يهلك‎ ‎مع الكافرين‎.

وثمة درس مهم تنطوي عليه الآيات الكريمة التي تحكي قصة نوح‎ ‎وابنه. أراد الله سبحانه ‏وتعالى أن يقول لنبيه الكريم أن ابنه ليس من أهله، لأنه لم‎ ‎يؤمن بالله، وليس الدم هو الصلة ‏الحقيقية بين الناس. ابن النبي هو ابنه في العقيدة‎. ‎هو من يتبع الله والنبي، وليس ابنه من ‏يكفر به ولو كان من صلبه. هنا ينبغي أن يتبرأ‎ ‎المؤمن من غير المؤمن. وهنا أيضا ينبغي أن ‏تتصل بين المؤمنين صلات العقيدة فحسب. لا‎ ‎اعتبارات الدم أو الجنس أو اللون أو الأرض‎.

واستغفر نوح ربه وتاب إليه‎ ‎ورحمه الله وأمره أن يهبط من السفينة محاطا ببركة الله ورعايته‎. ‎‎

قَالَ‎ ‎رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ‎ ‎تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ ‏الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ‎ ‎اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ‎

وهبط نوح من سفينته. أطلق سراح الطيور والوحش فتفرقت في الأرض، نزل‎ ‎المؤمنون بعد ‏ذلك‎.

وضع نوح جبهته على الأرض وسجد. لم تزل الأرض مبللة من أثر‎ ‎الطوفان. نهض نوح بعد ‏صلاته وحفر الأساس لبناء معبد عظيم لله. ومر يوم صيام الشكر‎ ‎لله‎.

ولا يحكي لنا القرآن الكريم قصة من آمن مع نوح بعد نجاتهم من‎ ‎الطوفان‎.‎











منقول من شبكة الندابي






الصورة الشخصية لـ البدو

المـــــدير العـــام

الجنس :  : male

الدولـة : علم الدولة : Saudi Arabia

رقم العضوية : 2

تاريخ التسجيل: Aug 2003

المشاركات : 10,607

المواضيع : 521

عدد مشاركات اليوم : 5


نقد عربي: 1,006,665


المصرف: 0


المجموع نقد عربي: 1,006,665
تبرع


نقاط الترشيح : 675

المستوى : البدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسيالبدو ماسي



الـــهدايـا :

 
     
   
     

 

   
   
 

الافتراضي

 
 

قديم 05-23-2005, 02:23 صباحاً

 



هود عليه السلام‎


‏أرسل إلى قوم عاد‎ ‎الذين كانوا بالأحقاف، وكانوا أقوياء الجسم والبنيان وآتاهم الله الكثير من ‏رزقه‎ ‎ولكنهم لم يشكروا الله على ما آتاهم وعبدوا الأصنام فأرسل لهم الله هودا نبيا‎ ‎مبشرا، ‏كان حكيما ولكنهم كذبوه وآذوه فجاء عقاب الله وأهلكهم بريح صرصر عاتية‎ ‎استمرت سبع ‏ليال وثمانية أيام‎.‎

تحقق وعد الله سبحانه وتعالى حين قال‎:

وَالْعَاقِبَةُ‎ ‎لِلْمُتَّقِينَ‎

فنجى من أمن مع نوح، وعمروا الأض بعد أن ذهبت المياه. فكان‎ ‎كل من على الأرض في ‏ذلك الوقت من المؤمنين. لم يكن بينهم كافر واحد‎.

يَا‎ ‎نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن‎ ‎مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا ‏عَذَابٌ‎ ‎أَلِيمٌ‎


ومرت سنوات وسنوات.. وأتى موعد تحقيق وعد الله لنوح عليه السلام (وَأُمَمٌ‎ ‎سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ ‏يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ). مات الآباء والأبناء‎ ‎وجاء أبناء الأبناء. نسى الناس وصية نوح، وعادت ‏عبادة الأصنام. انحرف الناس عن‎ ‎عبادة الله وحده، وتم الأمر بنفس الخدعة القديمة‎.

قال أحفاد قوم نوح: لا‎ ‎نريد أن ننسى آبائنا الذين نجاهم الله من الطوفان. وصنعوا للناجين ‏تماثيل ليذكروهم‎ ‎بها، وتطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل، فإذا الأمر ينقلب إلى العبادة، وإذا‎ ‎بالتماثيل تتحول بفضل الشيطان إلى آلهة مع الله. وعادت الأرض تشكو من الظلام مرة‎ ‎ثانية. ‏وأرسل الله سيدنا هودا إلى قومه‎.

كان "هود" من قبيلة اسمها "عاد‎" ‎وكانت هذه القبيلة تسكن مكانا يسمى الأحقاف.. وهو ‏صحراء تمتلئ بالرمال، وتطل على‎ ‎البحر. أما مساكنهم فكانت خياما كبيرة لها أعمدة شديدة ‏الضخامة والارتفاع، وكان قوم‎ ‎عاد أعظم أهل زمانهم في قوة الأجسام، والطول والشدة.. ‏كانوا عمالقة وأقوياء، فكانوا‎ ‎يتفاخرون بقوتهم، كما حكى الله عنهم‎:

َقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا‎ ‎قُوَّةً‎

لم يكن في زمانهم أحد في قوتهم. ورغم ضخامة أجسامهم، كانت لهم عقول‎ ‎مظلمة. كانوا ‏يعبدون الأصنام، ويدافعون عنها، ويحاربون من أجلها، ويتهمون نبيهم‎ ‎ويسخرون منه. وكان ‏المفروض، ما داموا قد اعترفوا أنهم أشد الناس قوة، أن يروا أن‎ ‎الله الذي خلقهم هو أشد ‏منهم قوة.. غير أنهم كانوا لا يبصرون غير كبريائهم‎ ‎الكافرة‎.

قال لهم هود‎:

يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ‎ ‎إِلَـهٍ غَيْرُهُ‎

نفس الكلمة التي يقولها كل رسول. لا تتغير ولا تنقص ولا‎ ‎تتردد ولا تخاف ولا تتراجع. كلمة ‏واحدة هي الشجاعة كلها، وهي الحق‎ ‎وحده‎.

وسأله قومه: هل تريد أن تكون سيدا علينا بدعوتك؟ وأي أجر‎ ‎تريده؟‎

إن هذه الظنون السئية تتكرر على ألسنة الكافرين عندما يدعوهم نبيهم‎ ‎للإيمان بالله وحده. ‏فعقولهم الصغيرة لا تتجاوز الحياة الدنيوية. ولا يفكروا إلا‎ ‎بالمجد والسلطة والرياسة‎.

أفهمهم هود أن أجره على الله، إنه لا يريد منهم‎ ‎شيئا غير أن يغسلوا عقولهم في نور ‏الحقيقة. حدثهم عن نعمة الله عليهم، كيف جعلهم‎ ‎خلفاء لقوم نوح، كيف أعطاهم بسطة في ‏الجسم، وشدة في البأس، كيف أسكنهم الأرض التي‎ ‎تمنح الخير والزرع. كيف أرسل عليهم ‏المطر الذي يحيى به الأرض. وتلفت قوم هود حولهم‎ ‎فوجدوا أنهم أقوى من على الأرض، ‏وأصابتهم الكبرياء وزادوا في العناد‎.


قالوا لهود: كيف تتهم آلهتنا التي وجدنا آباءنا يعبدونها؟‎

قال هود: كان‎ ‎آباؤكم مخطئين‎.

قال قوم هود: هل تقول يا هود إننا بعد أن نموت ونصبح ترابا‎ ‎يتطاير في الهواء، سنعود إلى ‏الحياة؟‎

قال هود: ستعودون يوم القيامة، ويسأل‎ ‎الله كل واحد فيكم عما فعل‎.

انفجرت الضحكات بعد هذه الجملة الأخيرة. ما أغرب‎ ‎ادعاء هود. هكذا تهامس الكافرون من ‏قومه. إن الإنسان يموت، فإذا مات تحلل جسده،‎ ‎فإذا تحلل جسده تحول إلى تراب، ثم يهب ‏الهواء ويتطاير التراب. كيف يعود هذا كله إلى‎ ‎اصله؟! ثم ما معنى وجود يوم للقيامة؟ لماذا ‏يقوم الأموات من موتهم؟‎

استقبل‎ ‎هود كل هذه الأسئلة بصبر كريم.. ثم بدأ يحدث قومه عن يوم القيامة.. أفهمهم أن ‏إيمان‎ ‎الناس بالآخرة ضرورة تتصل بعدل الله، مثلما هي ضرورة تتصل بحياة الناس. قال لهم ‏ما‎ ‎يقوله كل نبي عن يوم القيامة. إن حكمة الخالق المدبر لا تكتمل بمجرد بدء الخلق، ثم‎ ‎انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض. إن هذه الحياة اختبار، يتم الحساب بعدها‎. ‎فليست ‏تصرفات الناس في الدنيا واحدة، هناك من يظلم، وهناك من يقتل، وهناك من‎ ‎