بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان المقالة: الغثاء الشعبي اسم الكاتب: عيسى عبد الله الحليان التاريخ: 1423هـ
ما هذا السيل "العرم" من الشعر الشعبي؟ وما هذا الإسهال المتواصل من التهريج المسمى بالشعر الشعبي؟ وما هذا الكم الهائل من مجلات الشعر الذي اصبح يسمى زوراً وبهتاناً بالشعبي؟ وما هذا المطبوعات الصفراء المحلاة بصور غوانيها والمزدانة بوسامة وموضة شعرائها؟
هل أصبحت هذا المجلات والقائمين عليها مجرد سماسرة للشعر الفج يعرضون من خلالها مستوى شعرائهم في بورصة الشعر الشعبي لمن أراد تلميح صورته أو إبراز وسامته من أصحاب الجاه والمال.
وهل أصبحت هذا المجلات خليفة لسوق عكاظ الغابر بعد كل هذا الإرث الفكري والثقافي المتراكم؟ وهل أصبح كل ما يحتاجه هؤلاء الناظمون بعد ذلك إلى بوق من أولئك المغنين الذين تناثروا على ساحة الفيديو "كلاب" ليرتقوا بعد ذلك إلى مرتبة الشعراء الكبار الذين تنعقد لهم الندوات وتتلقفهم القنوات الفضائية. وتتحلى بصورهم المجلات والصحف السيارة وهل نحن على أعتاب أزمة شعرية تظللها الأمية الفكرية والثقافية التي أفرزتها التحولات الاجتماعية في العقود الأخيرة.
وهل هذا التغيرات التي طرأت على خريطة الشعر الشعبي في السنوات الأخيرة ليست سوى ترفاً شعرياً أو أدباً نفطياً أم أن الأمر يتعلق بإفلاس فكري وخواء ثقافي عام.
أنظر إلى هذه القصيدة التي تزينت بها إحدى مجلات الشعر الشعبي:
يا "بس"(1) يا للي ساكن بالبراميل
ما شفت محبوبي يكب الزبالة
أظن جاله من زمانه غرابيل
ما عيّن اللي في الجفا ينشكي له
" يابس" برسل له سلام ومراسيل
إن شفت محبوبي فعطه الرسالة
قله تراني ساهر لآخر الليل
بس أحترى زوله يكب الزبالة
تذكرت وأنا أقرأ هذه القصيدة نقداً لجابر عصفور في وصفه الأداء اللغوي لدى بعض شعراء قصيدة النثر المصرية "بالزبالة" وللأسف فأن جل هؤلاء الشعراء لا يملكون هوية ثقافية أو زاداً فكرياً وكل متاعهم هو الركاكة والإسفاف فهؤلاء قد قاموا بتفجير لغة الشعر الشعبي وقاموا بخلخلتها بل اصبحوا "ينظّرون" للركاكة والإسفاف حتى من يصنف منهم من شعراء النخبة.. فهؤلاء يرون بأن الشعر لم يعد يحتاج إلى مجرد سلامة اللغة لكي يستقيم أمره … فشعراء "الجيتر" الذين اصبحوا يبيعون ويشترون بأحاسيس شعرية مزيفة لا يزالون هم سادة الشعر في نظر شريحة عريضة من أبناء المجتمع والذي يشكل الجيل الجديد قوامها الأساسي.. وهم أيضاً الذين يقومون حالياً بصياغة مفهوم جديد للشعر. ويكرسون مدخلاته الفكرية والثقافية واللغوية، فالثقافة والأدب عموماً أصبحت موضة لكل ثري وصاحب جاه والشعر غدا سلعة تباع وتشترى في سوق النخاسة الشعري الذي اصبح سوقاً رائجة لمن طاب لهم دخول نادي الشعر والشعراء.
والسؤال الذي يطرح نفسه.. لماذا نجحت هذه المجلات الشعبية التي تسوّق شعراً سوقياً في الغالب.
هل لأن الخطاب "الشعري" الحالي موجه إلى طبقة الشباب والشابات الذين هم في سن العشرينات تقريباً وهم في الغالب عاطفيون متحمسون يعاني الكثير منهم من الفراغ والحرمان حتى أصبحت تلك الأشعار تخاطب وجدان هذه الفئة العريضة الملتهبة المشاعر وتداعب أحلامها وأوهامها وتبيع لها عالماً وحياة مليئة بالحب والغرام.
أم أن هناك طبقة اجتماعية من الصفوة يبحثون عن النجومية والوجاهة من خلال دعم إصدارات تلك المجلات وتزيين صفحاتها بأشعارهم وصورهم الحالمة.
أم أن هناك مداً كاسحاً من الحب الدفين للشعر الشعبي بسبب تعبيره عن مكنونات وجدان إنسان هذه الجزيرة.
أم أن هناك مجرد تعبير عن مشاعر شرائح اجتماعية طالما عانت من اضطهاد المثقفين وفوقيتهم غير المبررة.
لقد التبس الأمر وتشابه "الشعر" علينا فلم نعد نعرف الحقيقة.
منقول : http://www.aushtaar.net/Entry5/aisa_helain01.htm
----------------------
(1) القط