جلس القصاب وسعاله يمزق رئتيه على كرسيه المعطر برائحة اللحم ...
بصق على الارض من شدة اختناقه كان يلعن الخمرة وصانعها وحاملها
والساعة التي علموه فيها شرب الخمر.
كان الناس تتحاشى التكلم معه رغم انه كان لايؤذي احد من الناس الا ان الناس
كانت لاترغب في الحديث معه ...ومر الشيخ اسعد المؤذن في جامع المنطقة امامه.
كيف حالك ياقصاب؟
رد القصاب وهو يكمل سعاله:ـ كما ترى.
ياقصاب رايتُ فيك رؤيا وانه ليبهرني مارايتك فيه؟؟
قال القصاب وهو يبصق على الارض:ـ اعلم انك رايتني في النار او الدرك الاسفل من النار؟؟
قال الشيخ اسعد وهو مذهول من شدة الرؤيا:ـ كلا ياقصاب..والذي نفس محمد بيده
لقد رايتك وانت في جنان الخلد..وانت في احسن حال وافضل مقام؟؟
قاطعة القصاب وقد استشاط غضباً:ـ ان كنت تريد ان تسخر مني فسوف اخلع فروة راسك
بسكيني هذه! وتناول القصاب احد السكاكين واخذ يلوح بها امام الشيخ اسعد...
فقال له الشيخ:ـ اسمع ياقصاب المنطقة انك تعرف انت وغيرك اني لم اسخر من احد طوال حياتي
ولم اكذب لعلمي ان حبل الكذب قصير..ولن ابرح المكان حتى تحدثني بما فعلته انت
حتى تحضى بهذه المنزلة التي لايحظى بها احد الا من عمل صالحاً؟؟
ادار القصاب وجهه ومضى تاركاً الشيخ اسعد وهو في حيرة من امره..يبحث عن السر المكنون
لعل مفتاح الرؤيا يكون سهلاً ...ويمضي الشيخ اسعد وهو يتمتم بكلمات ..
وارخى الليل سدوله واغلق الناس ابواب محلاتهم مابين رابح وخاسر ...وقانع بما كسبه
ورحل القصاب الى منزله وهو يحمل علب من الحليب وقطع صغيرة من البسكويت
مع بعض الخضار والفواكه واغلق الباب وراءه واتجه صوب المطبخ واخذ بصنع الطعام
لنفسه فقد كان اعزباً لم يتزوج ولكنه كان جاهزاً للزواج ولكن بسبب شربه الخمر
كان الناس ترفض تزويجه ورغم ذلك كان لايهتم بذلك.
وبعد اعداد الطعام صعد الى احد الغرف العليا ،حيث الاقفال على الباب والقنديل الخافت
يضيء ربع الغرفة..ولما هم بفتح الأقفال سمع الطرق على الباب..تنحى القصاب عن الباب
وأسرع نحو الأسفل وفتح الباب فإذا بالشيخ اسعد واقفاً أمامه وهو يقول:ـ السلام عليكم
اسمع يااخي لن ابرح المكان حتى تحدثني بما فعلت أنت حتى تحظى بالمكانة التي رايتها فيك؟؟
حاول القصاب أن يصرف الشيخ اسعد ولكن الشيخ رفض وأصر على البقاء
ولما لم يجد القصاب بدٌ من إلحاح الشيخ اسعد قال:ـ اسمع ياشيخ اسعد
سأُريك مالم تستطع ان تراه والناس اعداء ماجهلوا ..تعال معي ولكن بشرط ؟
وهنا تطايرت اساير الشيخ اسعد وهو يقول:ـ انا أقبل بكل شرط مهما كان
وستجدني ان شاء الله لمن الصادقين!
قال القصاب:ـ شرطي ان لاتحدث احد من الناس بما ستراه؟؟
قال الشيخ اسعد:ـ سمعاً وطاعة
ومشى القصاب ومعه الشيخ اسعد نحو الاعلى حيث الغرفة المقفلة..ففتح القصاب
تلك الاقفال ودخلوا حيث رأى الشيخ اسعد ان هناك مهداً فيه جسم لإنسان لايرى فيه أي حركة
اصاب الرعب الشيخ اسعد وهم بالفرار لولا الرؤيا ...
وضع القصاب يده على كتف الشيخ اسعد وهو يقول له:ـ لاتخف دركاً ولاتخشى هذا الانسان
الذي تراه انما هو (امي) عجز الاطباء عن شفائها وهي كبيرة السن كما ترى لاتستطيع
ان تحرك ساقاً او يداً وليس لي احد يعينني على حملها لان الناس تكره مخالطتي وتزويجي
وقد اعتقد الناس ان (امي) قد توفيت فلم يعودوا يسألون عنها ..وقد قمت بوضعها في المهد كالطفل
ارعاها كما راعتني ،أطعمها كما تطعمني..وامسح فضلاتها كما كانت تمسح فضلاتي
وأنا اعتقد اني لم أوفي بحقها ياشيخ..وكلما اضع لها طعاماً في فمها ترفع عينيها الى السماء
وتحرك شفاهها ولا ادري ماذا تقول؟؟
بكى الشيخ اسعد اشد البكاء وجلس وقد وضع راسه بين ركبتيه وهو يبكي ويئن ويقول
لله درك يا قصاب إنها تدعو لك بالخير والسعادة وتدعو الله بحق الأم أن يشفع لك يوم القيامة
وهنا بكى القصاب اشد البكاء واقسم انه لن يقترب من الخمر ابداً