من سنتين صاحبي أخذ مني كتاب ولا رجعه إلا امس والكتاب هو : “استـراحة الخميـس ” للدكتور غازي القصيبي .. و فيه كل مقالاته التي نشرت في جريدة الوطن .
اختـرت لكم هالـمقالة .. وانشالله تعجبكم:
يبدو أن هناك فئة من مخلوقات الله تخصصت في فن عجيب هو إحراج الآخرين , ويبدو أن حصتي من الارتطام بهذه الفئة تفوق حصـة الأسد .. وربما الفيل ..
المحرجون يستمدون متعتهم العظمى , وربما الوحيدة , من احراج الناس , يستمتعون بكل ثانية من الثواني التي يقضيها الضحية وهو في قبضة الحرج , وإليكم التفـاصيل :
...محرج الذاكرة...
وهذا الأخ العزيز يبدأ بسؤالك :
- ما تذكرني ؟!
من الواضح لكل ذي عينين - ولمعظم العميان - أنك لم تتذكـره , ومع ذلك يمضي محرج الذاكرة متلذذاً بتعذيبك :
- اكيد انك نسيتني.
وبدلاً من ان تصارحه بأنه لايوجد أي سبب منطقي أو غير منطقي يجعل من شخصه الكريم شيئاً قابل للنسيان تلوذ بما لديك من أدب طارف وتليد وتقول :
- أعوذ بالله ! كيف انسـاك ؟
وهنا يغيب المحرج في نشوة عارمة من السـاعدة وهو ينظر إليك مباشرة ويقول:
- إن لم تنسني فقل لي من أنا !
ويحمر وجهك وتضطرب وتتلعثم ولا تعرف ماذا تقول؟.. ومحرج الذاكرة يبتسم في براءة الأطفال ويردد :
- ما قلت لك ؟ نسيتني !
وتبدأ تفكر في إجابة إلا أنه يباغتك :
- سبحان الله ! زمان ما له أمان ! يتكبر الناس على بعض وينسون بعض !
...محرج المعـدة...
ترى هذا السيد السند عرضاً وأنت تعبر قاعة فندق ما , في طريقك إلى اجتماع ما , فينطلق صوبك كالقضاء المستعجل - كما يقول الأشقاء المصريون - ويصرخ :
- موعد ! أعطني موعداً .
ويستطرد محرج المعدة قبل أن تنجح في العثور على مهرب ملائم :
- الليلة ! العشا الليلة !
وتقول انت بصوت تحاول جاهداً ان تجعله نابضاً بالصدق :
- للأسف عندي ضيوف الليلة .
تدرك بمجرد صدور العبارة أن محرج المعدة سوف يحكم الخناق , ولا يخيب ظنك :
- ضيوف؟ أبرك ساعة , هاتهم معك .
بصوت بدأ اليأس يدب إليه تقول :
أعذرني , ناس لا تعرفهم , ولا تنسجم معهم
ويتملظ محرج المعدة بشغف , ويضحك ويقول :
- اتشرف بك وبضيوفك . أصحابك أصحابي . الليلة في المطعم الهندي اللي في “جلوستر رود”
تنظر إلى محرج المعدة وتوشك أن تبكي وأنت تقول :
- شكراً شكراً ! لا استطيع . عندي معهم شغل خاص.
تدرك على الفور انك ارتكبت خطأ قاتلاً , ويرد محرج المعدة :
- شغل خاص ؟ الله يهديك ! إحنا بيننا أسرار ؟ إحنا اخوان.
وقبل ان تقول شي يباغتك :
- وين عازمهم ؟
تتقلص ملامحك وأنت تهمس بصوت ترجو أن لا يصل إلى سمعه :
- في البيت
تقع في الفخ ! ويصرخ محرج المعدة :
- خلاص . الساعة الثامنة انا عندك في البيت
ويغمى عليك وعندما تفيق تجد محرج المعدة يقول للجمع الصغير الذي اجتمع وهو يشير إليك بسرور :
- الرجال قلت له باتعشى عندك ومات من الفرح !
...محرج التربية البدنية...
وهذا البطل ممشوق القوام يطب عليك , وانت تفكر في وضع مترد من اوضاع الامة العربية , ويسألك دون مقدمات :
- انت تسوي رياضة ؟
يلمح علامات الحرج تتسارع إلى وجهك فتتسارع علامات السعادة على وجهه , وتقول انت :
- أمشي .
تدرك بمجرد خروج الكلمة انك ابتلعت الطعم ويجيء السؤال أسرع من الرصاصة:
- كم كيلو ؟
تحاول أن تجيب على طريقة وزارة الخارجية البريطانية :
- يعتمد … حسب الظروف
‘لا ان محرج التربية البدنية لا يؤمن بالردود الغامضة ويقول :
- يعني كم كيلو ؟ خمسة ؟ ستة ؟ عشرة ؟
تهمس وأنت تقاوم الرغبة العارمة في قتله :
- بين كيلو وكيلوين
تمتزج أمارات الاحتقال بإبتسامة النشوة في وجة محرج التربية البدنية وهو يقول :
- ما يكفي ! ما يكفي ! يبيلك سبعة كيلو أقل شي . وش رايك امر عليك بكرة ونمشي سوا
لا تجيب . ويخفف عليك محرج التربية البدنية المسألة :
- كلها ساعتين بس.
يمتقع وجهك ذعراً وتقول دون تفكير :
- آسف! بكره انا مسافر الفجر , رايح كندا .
تتسع ابتسامة رائد المشي ويقول:
- فرصة ! نروح للمطار مشي . امر عليك نص الليل , والفجر إحنا في المطار !
..محرج الوزن..
قبل النظرة والإبتسامة والكلام يصفعك محرج الوزن بالملاحظة العلمية الدقيقة التالية :
- ترى وزنك زايد يا فلان
وتتلعثم كعادتك أمام المحرجين وتردد :
- ناوي أعمل رجيم إن شاء الله
يتجاهل المحرج وعدك ويمضي قائلاً :
- يبغالك تنقص أربعين كيلو . أقلها .
وترد بالموافقة الفورية املاً أن ينتهي الحوار الظريف عند هذا الحد . إلا ان محرج الوزن لم يكد يبدأ , و يستأنف :
- ترى فلان مات بالسكته , وذبحه الكولسترول . كله من زيادة الوزن
وتهز رأسك موافقاً على ان زيادة الوزن أفتك سلاح في ترسانة عزرائيل , ويسترسل محرج الوزن :
- فلان تحرول , زاد الوزن على ركبته وتحرول .
وتؤكد انت أن زيادى الوزن خطر داهم على الركب ووسيلة مضمونة للشلل , ويمضي محرج الوزن :
- والضغط ! ترى الضغط ما يجي إلا من زيادة الوزن .
ويستمر محرج الوزن غير آبه برأسك الذي يهتز عنفاً تأييداً لكلامه ! :
- عليك برجيم الليمون.
وتوافق مسبقاً على رجيم الليمون بأمل أن تعفى من تفاصيله , إلا ان التفاصيل تأتي على أية حال :
- قبل الفطور تعصر أربع ليمونات في ماي حار وتشربة مره وحده. والفطور جريب فروت , وقبل الغدا تعصر سبع ليمونات في ماي حار وتشربه .. والغدا جناح حمامة .
لا ينتهي محرج الوزن من وصفته إلا وأنت على وشك أن تضع يديك على رقبته وتضغط .. وتضغط حتى تخرج من مسامه كل ليمونة شربها مع الماء الحار في حياته !!