لماذا علينا أن نعرف أعياد الكفار
من المتفق عليه أن المسلم لا يعنيه –ابتداء- التعرف على أحوال الكفار، ولا يهمه معرفة تفاصيل شعائرهم وعاداتهم –ما لم يرد دعوتهم إلى الإسلام-، إلا إذا كانت شعائرهم تتسرب إلى جهلة المسلمين فيقعون في شيء منها عن قصد أو غير قصد، فحينئذ لا بد من معرفتها لاتقائها والحذر من الوقوع في شيء منها، وفي العصور المتأخرة يتأكد ذلك؛ للأسباب الآتية:
1- كثرة الاختلاط بالكفار سواء بذهاب المسلم إلى بلادهم للدراسة أو السياحة أو التجارة أو غير ذلك، فيرى أولئك الذاهبون إليهم بعض شعائرهم، وقد يُعجبون بها، ومن ثم يتبعونهم فيها، لا سيما مع هزيمة بعضهم النفسية، ونظرتهم إلى الكافرين بإعجاب شديد يسلب إرادتهم، ويفسد قلوبهم ويضعف الدين فيها، ومن ذلك أن كثيراً من المثقفين المغتربين يصف الكفرة بالرقي والتقدم والحضارة حتى في عاداتهم وأعمالهم المعتادة، أم كان ذلك عن طريق إظهار تلك الأعياد في البلاد الإسلامية –من قبل طوائف وأقليات أخرى غير مسلمة، فيتأثر بها جهلة المسلمين في تلك البلاد.
2- وزاد الأمر خطورة البث الإعلامي المباشر الذي به يمكن نقل كل شيء بالصوت والصورة الحية من أقصى الأرض إلى أدناها، وما من شك في أن وسائل إعلام الكفار أقوى وأقدر على نقل شعائرهم إلى المسلمين، دون العكس؛ حيث تشاهد كثيراً من قنوات الآخرين الفضائية تنقل شعائر أعيادهم، واستفحل الخطر أكثر وأكثر حينما تبنت بعض الدوائر العلمانية في جل البلاد الإسلامية كثيراً من الاحتفالات بأعياد الكفار وشعائرهم، وصار ذلك ينقل عبر الفضائيات العربية إلى الناس؛ فيغتر بذلك بعض المسلمين بسبب صدوره من بلاد إسلامية.
3- قد عانى المسلمون على مدى تاريخهم –وخصوصاً في مراحل الضعف- من تأثر بعضهم بشعائر غيرهم من جراء الاختلاط بهم، مما جعل كثيراً من أئمة الإسلام يحذرون عوام المسلمين من تقليد غيرهم في أعيادهم وشعائرهم، منهم –على سبيل المثال-:شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، والحافظان الذهبي وابن كثير، وهم قد عاشوا عصراً واحداً كثر فيه اختلاط المسلمين بغيرهم خاصة بالنصارى، وتأثر جهلتهم ببعض شعائر دينهم خاصة أعيادهم، ولهذا أكثر الكلام عن ذلك هؤلاء العلماء في تضاعيف مصنفاتهم، وبعضهم أفرد لذلك كتاباً خاصاً، كابن تيمية في كتابه : (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)، وكالذهبي في رسالته: (تشبه الخسيس بأهل الخميس)، وغيرهما.
ولقد أطال ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في ذكر أعيادهم وأعمالهم فيها، وبين مدى تأثر جهلة المسلمين بها، ووصف أعيادهم وأنواعها وما يجري فيها من شعائر وعادات مما يستغني عن معرفته المسلمون، إلا أن الحاجة دعت إلى ذلك بسبب ما كثر من اتباع كثير من المسلمين أهل الكتاب في تلك الشعائر.
وقد بين شيخ الإسلام أعيادهم وعرضها في مقام التحذير؛ حيث يقول رحمه الله تعالى بعد أن أفاض في الحديث عنها:"وغرضنا لا يتوقف على معرفة تفاصيل باطلهم؛ ولكن يكفينا أن نعرف المنكر معرفة تميز بينه وبين المباح والمعروف، والمستحب والواجب، حتى نتمكن بهذه المعرفة من اتقائه واجتنابه، كما نعرف سائر المحرمات؛ إذ الفرض علينا تركها، ومن لم يعرف المنكر جملة ولا تفصيلاً لم يتمكن من قصد اجتنابه. والمعرفة الجملية كافية بخلاف الواجبات".
وقال أيضاً:"وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم لما رأيت طوائف من المسلمين قد ابتلي ببعضها، وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله، ولست أعلم جميع ما يفعلونه، وإنما ذكرت ما رأيت من المسلمين يفعلونه وأصله مأخوذ عنهم".
4- أن بعض أعيادهم تحول في العصر الحاضر إلى اجتماع كبير له بعض خصائص عيدهم القديم، ويشارك كثير من المسلمين في ذلك دون علم، كما في دورة الألعاب الأولمبية التي أصلها عيد عند اليونان، ثم عند الرومان، ثم عند النصارى.
5- معرفة الشر سبب لاتقائه واجتنابه، وقد قال حذيفة –رضي الله عنه-:"كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني" ومن المعلوم أن الشر العظيم والداء الوبيل أن يقع المسلم في شيء من شعائر الذين كفروا دون علمه أن ذلك من شعائرهم وأخص عاداتهم التي أمرنا بمجانبتها والحذر منها، لأنها رجس وضلال.
6- كثرة الدعاوى وقوة الأصوات التي تريد للأمة الخروج عن أصالتها، والقضاء على هويتها، والانصهار في مناهج الكفرة، واتباعهم حذو القذة بالقذة تحت شعارات: الإنسانية والعولمة والكونية والانفتاح على الآخر وتلقي ثقافته، مما حتم معرفة ما عند هذا الآخر –الكافر- من ضلال وانحراف؛ لفضحه وبيان عواره، وكشف التزوير وتمزيق الأغلفة الجميلة التي تغلف بها تلك الدعاوى القبيحة "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة" [الأنفال: 42]، ولكي تقوم الحجة على أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فلا يغتروا وينخدعوا.
7- شكر نعمة المولى –سبحانه وتعالى- على الأمة المحمدية، حيث هداها لأحسن الأعياد وأكمل لها الدين وأتم عليها النعمة. ومن اطلع على شعائر الذين كفروا على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ظهرت له هذه النعمة العظيمة، وسيمر في هذا الكتاب شيء كثير من شعائر الكفار في أعيادهم من تعظيم للأوثان واختلاق للأساطير واختراع عيد لكل مناسبة مهما كانت سخيفة، على ما فيها من مظاهر الفجور والتعري، واتخاذ هذا الفجور ديناً يدينون به لمعبوداتهم من دون الله، وشعائر جعلوها من أساس أعيادهم ودينهم، فإذا اطلع المسلم على هذا الضلال قاده ذلك إلى شكر الله تعالى على نعمة الهداية إلى الإسلام، والسلامة مما وقع فيه الآخرون من آثام وآصار وأغلال يتقربون بها، ويحسبون أنهم على شيء، "أولئك الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً" [الكهف:104].
إبراهيم بن محمد الحقيل ...الاسلام اليـــــوم
ســــــاره